لو عاد عمر بن الخطاب إلى الدنيا ساعةً، ثم دخل مجلسًا تُدار فيه شؤون الناس، لما سأل عن كثرة الأتباع، ولا عن حجم النفوذ، ولا عن قوة الجماعات، بل لسأل سؤالًا واحدًا:
أين الحق؟
فإن دلّوه عليه، مضى إليه غير هيّاب، لا يلتفت إلى رضا هذا أو غضب ذاك؛ لأن الحق عنده لم يكن تابعًا للأشخاص، بل كانت الأشخاص هي التي تُوزن بميزان الحق.
لقد أدرك عمر أن أخطر ما يواجه الدول ليس اختلاف الناس، وإنما أن يُؤجَّل العدل مراعاةً للمصالح، أو أن تُخفَّف المحاسبة حفاظًا على العلاقات، أو أن تُغلَّب الانتماءات على سيادة القانون.
فحين يصبح السؤال: “كيف نحافظ على الجماعة؟” قبل أن يكون: “كيف نُقيم العدل؟” يبدأ الميزان بالاختلال، لأن الجماعة التي يحميها العدل تزداد قوة، أما الجماعة التي يحميها التغاضي عن الأخطاء فإنها تُضعف نفسها بنفسها، ولو بدا ظاهرها متماسكًا.
ولم يكن عمر يرى أن محاسبة المخطئ تُفرّق الصف، بل كان يعلم أن ترك الخطأ بلا حساب هو الذي يزرع الشقاق، ويُفقد الناس ثقتهم بالعدل، ويجعل الضعيف يشعر أن حقه مرهون بمن يعرف، لا بما يستحق.
ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة التاريخ، لأنه لم يجعل للقرابة امتيازًا، ولا للنفوذ حصانة، ولا للانتماء استثناءً. كان ميزانه واحدًا، يعلو على الجميع، ويخضع له الجميع.
فالعدل لا يُضعف الدول، بل يبني هيبتها.
والقانون لا يُفرّق الناس، بل يجمعهم على الثقة.
والمحاسبة العادلة لا تهدم المؤسسات، بل تحميها من أن تهتز ثقة الناس بها.
إن الدولة التي يكون فيها الحق فوق الجميع، هي الدولة التي يطمئن إليها المواطن، ويثق بها المستثمر، ويحتمي بها الضعيف، ويعتز بها القوي.
رحم الله عمر بن الخطاب، فقد علّم الأجيال أن العدل ليس خيارًا سياسيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الدول، وتستقيم به المجتمعات، وتدوم به هيبة المؤسسات.
وإن الحديث عن العدل ليس انتقاصًا من الدولة، بل إيمانٌ بأن الدولة القوية تُقاس بعدالة مؤسساتها، وأن ترسيخ العدل وسيادة القانون هو الطريق الأمتن لحماية الوطن، وتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبناء مستقبلٍ يطمئن إليه الجميع. المستشارة...ايمان رجب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق