الثلاثاء، 28 يوليو 2026

‏لماذا يبتعد الأبناء عن والديهم رغم الحب؟

‏✍️ بقلم:
‏أ/ هبة رأفت
‏أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
‏مستشارة العلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان
‏قد يحب الأبناء والديهم بصدق، وقد يبادلهم الآباء الحب والاهتمام، ومع ذلك نجد أن المسافة بينهم تزداد مع مرور الوقت، ويقل الحوار، وتصبح الكلمات قليلة، ويشعر كل طرف أن الآخر لم يعد يفهمه. والحقيقة أن الابتعاد لا يحدث دائمًا بسبب غياب الحب، بل قد يكون نتيجة غياب التواصل الصحي والشعور بالأمان في العلاقة.
‏كثير من الآباء يعتقدون أن توفير الطعام والتعليم والاحتياجات المادية يكفي ليشعر الأبناء بالرضا، بينما يحتاج الأبناء أيضًا إلى الاحتواء والإنصات والاحترام والتقدير. فالطفل أو المراهق لا يبحث فقط عن من ينفق عليه، بل يحتاج إلى من يسمعه دون مقاطعة، ويفهم مشاعره دون سخرية، ويمنحه الثقة دون مراقبة مستمرة.
‏ومن أكثر الأسباب التي تدفع الأبناء إلى الابتعاد كثرة الانتقاد والتركيز على الأخطاء، والمقارنة المستمرة بالآخرين، واستخدام أسلوب التهديد أو التخويف، ورفض آرائهم أو التقليل من مشاعرهم، وعدم احترام خصوصيتهم. ومع تكرار هذه المواقف يتعلم الابن أن الصمت أكثر أمانًا من الحديث، وأن الاحتفاظ بمشكلاته أفضل من مشاركتها مع والديه.
‏كما أن انشغال الوالدين الدائم بالعمل أو الهاتف أو الضغوط اليومية قد يجعل الأبناء يشعرون بأنهم ليسوا أولوية، حتى وإن كان الوالدان يحبانهم. فالحب الذي لا يترجم إلى وقت واهتمام واحتواء قد لا يصل إلى الأبناء بالطريقة التي يحتاجون إليها.
‏وفي مرحلة المراهقة تزداد حاجة الأبناء إلى الشعور بالاستقلال واحترام آرائهم، فإذا قوبلت كل محاولة لإثبات الذات بالرفض أو السيطرة أو السخرية، بدأوا في البحث عن أشخاص آخرين يشعرون معهم بالقبول والفهم، وقد يكون هؤلاء الأصدقاء أو المعلمين أو حتى الغرباء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
‏ولا يعني ابتعاد الأبناء أنهم لا يحبون والديهم، بل قد يكونون في أمس الحاجة إليهم، لكنهم لا يعرفون كيف يعبرون عن ذلك، أو يخشون أن يقابلوا باللوم أو التقليل أو عدم التفهم.
‏ويمكن للأسرة أن تستعيد دفء العلاقة عندما يصبح الحوار عادة يومية، ويشعر الأبناء أن آراءهم تُحترم، وأن الخطأ فرصة للتعلم وليس سببًا للإهانة، وأن الحب لا يرتبط بالدرجات أو الإنجازات، بل هو حب ثابت لا يتغير.
‏إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهما ليس المال ولا الهدايا، وإنما شعور دائم بالأمان يجعل الابن يعود إليهما كلما ضاقت به الحياة، ويثق أن بيته هو المكان الذي يجد فيه الاحتواء قبل الأحكام، والدعم قبل اللوم، والحب قبل أي شيء آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot