القاهرة" مصر "؛
لم تكن نبرات الفرح الليلة، ولا الطوفان العاطفي الجارف الذي اجتاح العواصم العربية من المحيط إلى الخليج ابتهاجاً بتأهل المنتخب المصري، مجرد احتفالات عابرة بنصر كروي؛ بل كانت في جوهرها استفتاءً شعبيًا عفويًا متجددًا على وحدة هذه الأمة.
لقد انتفضت الشعوب العربية، وزأرت حناجرها بالفرح، وتوحدت نبضاتها خلف راية مصر، لتقدم للعالم أجمع دليلاً دامغًا لا يقبل الشك: أن هذه الشعوب تحمل الدماء نفسها، وتتقاسم المصير ذاته، وتنبض بالحب والروابط التاريخية التي لا تقبل الانفصام. ومهما بلغت محاولات الأعداء والمتربصين لبث الفرقة، وزرع بذور الكره والبغضاء، يثبت "المعدن العربي الأصيل" أنه عصيّ على الانكسار، تظهره الشدائد ناصعًا براقًا، وتؤكد أن هذه الأمة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.
" وحدة الصف.. فريضة شرعية وضرورة واقعية
إن وحدة الصف ليست شعارًا حماسيًا، بل هي فريضة إلهية وسياج يحمي كيان الأمة. وقد دعا الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل إلى الاعتصام والترابط، محذرًا من عواقب التشرذم، حيث قال جل جلاله **{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}**، وقال سبحانه: **{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}**.
ومن هذه الآيات البينات، يتضح أن قوة الأمة وعزتها تكمن في وحدتها، وأن الضعف والهوان ينبعان من التفرق والنزاع.
وفي هذا السياق، **يَحُثُّ الدكتور يحيى علاوي جميع العرب على الوحدة ونبذ الخلافات، والدفاع عن الأرض والعرض**، مؤكدًا أن المصير المشترك يتطلب تفعيلاً حقيقيًا لروابط الأخوة والعروبة، والترفع عن الصغائر لحماية مقدرات الأمة.
* سجل تاريخي من العطاء المتبادل
تزخر الذاكرة العربية بمواقف مشرفة تجسد التلاحم وقت الأزمات والحروب، فلم تكن مصر يومًا معزولة عن محيطها، ولم يبخل الأشقاء عليها بدمائهم وأموالهم:
* **الدعم العربي لمصر في الأزمات والحروب:** تجلى أبهى صور التضامن العربي في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حين امتزجت الدماء العربية على أرض سيناء، وساندت الدول العربية مصر عسكريًا واقتصاديًا، وكان لقرار حظر تصدير النفط العربي موقفًا تاريخيًا زلزل القوى الدولية وأسهم في تحقيق النصر.
* **العطاء المصري للوطن العربي:** وفي المقابل، كانت مصر دائمًا الظهر والسند لأشقائها؛ فاحتضنت حركات التحرر الوطني واستقلال الدول العربية من الاستعمار شرقًا وغربًا. ولم يقتصر دورها على السلاح، بل قادت مصر معركة البناء والتعليم، فجابت قوافل المعلمين والمهندسين والأطباء المصريين والبعثات الأزهرية أرجاء الوطن العربي، لتسهم في بناء نهضته الحديثة وتأسيس أنظمته التعليمية.
"القوة المشتركة.. طريق العزة والمستقبل
إن قراءة التاريخ والواقع تؤكد أن القوة في الوحدة، وفي ظل عالم لا يحترم إلا الكيانات القوية، تبرز الرؤية الاستراتيجية الثاقبة للرئيس عبد الفتاح السيسي، ودعوته المستمرة منذ زمن طويل لإقامة **"قوة عربية مشتركة"**. إن هذه الدعوة لم تكن ترفًا سياسيًا، بل هي الطريق الأوحد والركيزة الأساسية لتحقيق العزة، وحماية الأمن القومي العربي، وردع أي عدوان يهدد سلامة الأراضي العربية.
خِتامًا، نعود لنؤكد أن نبض الشارع العربي في أفراحه وأتراحه يسبق دائمًا كل السياسات، وأن الرهان الحقيقي يظل على وعي هذه الشعوب ومعدنها النقي. **ومن هنا، يجدد الدكتور يحيى علاوي دعوته ومناشدته لكل أبناء الأمة العربية من قادة وشعوب، بضرورة نبذ الخلافات والالتفاف حول قضاياهم المصيرية، والعمل يدًا واحدة للدفاع عن الأرض والعرض**، مستلهمين في ذلك روائع الشعر التي خلدت هذه الوحدة:
> بِلادُ العُرْبِ أَوْطَانِي مِنَ الشَّامِ لِبَغْدَانِ
> وَمِنْ نَجْدٍ إِلَى يَمَنٍ إِلَى مِصْرَ فَتِطْوَانِ
> فَلَا حَدٌّ يَصُدُّنَا وَلَا دِينٌ يُفَرِّقُنَا
> لِسَانُ الضَّادِ يَجْمَعُنَا بِغَسَّانٍ وَعَدْنَانِ
>
حفظ الله مصر وشعبها
وحفظ الوحدة العربية
بقلم " الدكتور يحيي علاوي
باحث فى الأمن القومي والعلاقات الدبلوماسية.
القاهرة" جمهورية مصر العربية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق