بقلم: أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
تُعد السرقة من السلوكيات التي تثير قلق الوالدين، خاصة عندما تصدر من مراهق كان معروفًا بحسن السلوك. وقد يندفع البعض إلى وصفه بأنه "لص" أو "عديم التربية"، بينما الحقيقة أن هذا السلوك يحتاج إلى فهم أسبابه قبل إصدار الأحكام. فالسرقة عند المراهقين ليست دائمًا دليلًا على اضطراب نفسي، وليست دائمًا نتيجة سوء التربية، بل قد تكون رسالة تعكس احتياجًا نفسيًا أو مشكلة تربوية أو اجتماعية تستدعي التدخل المبكر.
تتميز مرحلة المراهقة بتغيرات نفسية وانفعالية واجتماعية كبيرة، وقد تدفع بعض المراهقين إلى ارتكاب سلوكيات خاطئة بدافع الفضول أو تقليد الأصدقاء أو الرغبة في إثبات الذات أو الحصول على ما لا يستطيعون امتلاكه. كما قد تكون السرقة وسيلة غير مباشرة للتعبير عن الحرمان العاطفي، أو لجذب انتباه الوالدين، أو نتيجة ضعف الرقابة والتوجيه.
وفي بعض الحالات، قد يكون تكرار السرقة مؤشرًا على وجود مشكلة أعمق تحتاج إلى تقييم متخصص، خاصة إذا كان المراهق يكرر السلوك رغم التوجيه والعقاب، أو لا يشعر بالندم، أو يسرق أشياء لا يحتاج إليها، أو يصاحب ذلك الكذب المستمر أو العدوانية أو مخالفة القوانين. عندها يصبح من الضروري الاستعانة بأخصائي نفسي أو أخصائي تعديل سلوك لتحديد الأسباب ووضع خطة علاجية مناسبة.
ويبدأ التعامل الصحيح مع المراهق بالهدوء وضبط الانفعالات، فالتهديد أو التشهير أو الإهانة قد يزيد المشكلة تعقيدًا. ينبغي أن يجلس الوالدان مع الابن أو الابنة في حوار هادئ لمعرفة الدافع الحقيقي وراء السلوك، مع التأكيد على رفض السرقة باعتبارها سلوكًا خاطئًا، دون وصم المراهق أو التقليل من قيمته. كما يجب تعليمه تحمل مسؤولية خطئه ورد الحقوق إلى أصحابها، مع تعزيز قيم الأمانة وتحمل المسؤولية من خلال القدوة الحسنة والتوجيه المستمر.
ومن المهم أيضًا متابعة دائرة الأصدقاء، والاهتمام بالحالة النفسية للمراهق، وإشباع احتياجاته العاطفية، وتعزيز ثقته بنفسه، لأن الوقاية دائمًا خير من العلاج. فالمراهق الذي يشعر بالأمان والاحتواء داخل أسرته يكون أقل عرضة للانحراف نحو السلوكيات الخاطئة.
السرقة ليست سلوكًا يمكن تبريره، لكنها أيضًا ليست سببًا للحكم على شخصية المراهق أو مستقبله. فكل سلوك له سبب، وكل سبب يمكن التعامل معه إذا وجد الفهم والحوار والتوجيه الصحيح. إن احتواء المراهق ومساعدته على تصحيح خطئه يفتح أمامه باب التغيير، ويمنحه فرصة ليصبح شخصًا أكثر نضجًا ومسؤولية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق