الخميس، 25 يونيو 2026

مخاض القلم: عندما يكتبنا الوعي.


ليست الكتابة مجرد رصف للحروف على السطور، بل هي رحيق الأفكار التي تلتهم العقل لتخلق منه كائناً جديداً. إنها البذرة الأولى لشجرة وارفة الظلال، نطلق عليها "الوعي". هذا الوعي هو الوعاء الشاسع الذي يتسع لقراءات العالم المحيط بنا، ويمتص تفاصيل الحياة ليعيد صياغتها. كل هذا الضجيج البنّاء والتحول العاصف يحدث داخلك في صمت، وتحديداً عندما تجتمع الثلاثية المقدسة: الوعي، القراءة، والفكرة. حينها فقط، تولد الرغبة في الكتابة، أو بالأحرى، تكتبنا هذه الثلاثية بنبرة صوت القلم، الذي يترجم خلجاتنا إما على سفح الورق، أو على شاشات المحمول.لكن، ماذا لو استعصت الكتابة؟ ما العمل إن كانت الفكرة لا تزال طفلاً جنينياً ينمو على مهل في بطن عقلك، أو يحبو متعثراً في طريق الوعي الطويل؟ الحقيقة التي يجب أن ندركها هي أننا ما زلنا جميعاً تلاميذ صغاراً في صف الحياة الكبير. في هذا الصف، يمر الكاتب بمراحل من التخبط الطبيعي؛ فنقرأ سطور بعض الكتب دون نضج كافٍ يستوعب مراميها، أو نعود لنطالع فصولاً أخرى من كتاب ما، فلا نجد فيها ما يترجم حالنا، أو يلامس صراعاتنا الداخلية مع الدنيا. هذا الاغتراب المؤقت بين القارئ والكتاب، أو بين الكاتب وفكرته، ليس دليلاً على العجز، بل هو مرحلة "الكمون الفكري" التي تسبق النضج والتجلي.هذه الحالة من الترقب والانتظار، ترجمها الكاتب المكسيكي "خوان رولفو" بدقة شديدة تختصر معاناة المبدع وحقيقته حين قال: "أكتب حين تأتي الكتابة، فإن لم تأتِ لا أكتب". ورولفو، الذي أحدث ثورة في الأدب العالمي بأعمال قليلة ومكثفة، كان يعلم أن الكلمة مسؤولية أخلاقية وفنية. فالكتابة لا تُستدعى بالقوة، ولا تخضع لمنطق الواجب اليومي أو الكم التجاري، بل هي فيضان داخلي؛ إذا لم يكتمل سده في الأعماق، جاء التدفق مشوهاً وسطحياً. بناءً على ذلك، يصبح التوقف عن الكتابة في غياب الإلهام الناضج موقفاً واعياً يحترم القارئ والقلم معاً.إن هذا الانكفاء مؤقتاً عن خط السطور ليس دعوة إلى الكسل أو الاستسلام للخمول الفكري، بل هو دعوة حقيقية لإدراك العمق، وتأمل كيفية التعبير عنه. فالأفكار العظيمة تحتاج إلى عتمة غرف العقل لتختمر وتنمو على مهل. وحين يكتمل نمو ذلك الطفل الحابي في طريق الوعي، سيمسك بالقلم دون عناء، ليتدفق النهر على السطور عذباً، صادقاً، ووارفاً كالشجرة التي بدأت يوماً مجرد بذرة صغيرة في تربة الفكر.                          بقلم ...إيناس محمد عثمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot