كتبت هذا المقال: أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
أصبح استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال والمراهقين في العصر الحديث، إلا أن الاستخدام المفرط لهذه الوسائل قد يتحول إلى مشكلة حقيقية تؤثر على الصحة النفسية والسلوكية والاجتماعية. فمع قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يتعرض الطفل لكم هائل من المعلومات والمثيرات التي قد تؤثر في طريقة تفكيره ومشاعره وعلاقاته بالآخرين. ورغم الفوائد التعليمية والتواصلية للتكنولوجيا فإن غياب التوازن والرقابة قد يؤدي إلى نتائج سلبية تستدعي انتباه الأسرة والمربين.
ومن أبرز الآثار النفسية لإدمان الشاشات زيادة مستويات القلق والتوتر لدى الأطفال والمراهقين، حيث يرتبط الاستخدام المستمر لمواقع التواصل الاجتماعي بالمقارنة الدائمة مع الآخرين والشعور بعدم الرضا عن الذات. كما أن التعرض المتكرر للمحتويات السريعة والمثيرة قد يجعل الطفل أكثر توترًا وأقل قدرة على التركيز والانتباه لفترات طويلة.
كما يؤثر الإفراط في استخدام الشاشات على الصحة الانفعالية للطفل، فقد يصبح أكثر عصبية وانفعالًا عند منعه من استخدام الهاتف أو عند انقطاع الإنترنت، وقد تظهر عليه أعراض تشبه أعراض الانسحاب مثل الغضب الشديد أو التوتر أو الحزن. ومع الوقت قد يعتمد الطفل على الأجهزة الإلكترونية كوسيلة أساسية للهروب من الضغوط أو المشكلات بدلاً من تعلم مهارات المواجهة الصحية.
ومن الآثار المهمة أيضًا اضطرابات النوم، حيث تؤدي الإضاءة المنبعثة من الشاشات إلى التأثير على إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم. ونتيجة لذلك قد يعاني الأطفال والمراهقون من صعوبة في النوم أو قلة عدد ساعات الراحة، مما ينعكس سلبًا على نشاطهم اليومي وقدرتهم على التعلم والتركيز.
كذلك قد يؤدي الاستخدام المفرط للشاشات إلى ضعف المهارات الاجتماعية نتيجة تقليل فرص التفاعل المباشر مع الأسرة والأصدقاء. فالطفل يحتاج إلى التواصل الواقعي لتعلم مهارات الحوار والتعاون والتعاطف وفهم مشاعر الآخرين. وعندما يحل العالم الافتراضي محل العلاقات الحقيقية قد يشعر الطفل بالعزلة والوحدة رغم كثرة تواصله الإلكتروني.
كما تشير العديد من الملاحظات التربوية إلى وجود علاقة بين الإفراط في استخدام الشاشات وضعف التحصيل الدراسي، حيث يستهلك وقتًا كبيرًا كان من الممكن استثماره في الدراسة أو القراءة أو الأنشطة المفيدة. كما أن التنقل السريع بين التطبيقات والمحتويات المختلفة قد يضعف القدرة على التركيز والانتباه لفترات كافية لإنجاز المهام الدراسية.
وتظهر علامات إدمان الشاشات عندما يقضي الطفل أو المراهق ساعات طويلة أمام الأجهزة دون القدرة على التوقف، أو عندما يهمل واجباته الدراسية وأنشطته الاجتماعية، أو يصبح سريع الانفعال عند تقليل وقت الاستخدام، أو يفضل العالم الافتراضي على العلاقات الواقعية بشكل ملحوظ.
وللحد من هذه المشكلة ينبغي على الأسرة وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية وتحديد أوقات مناسبة للشاشات تتناسب مع عمر الطفل. كما يجب تشجيع الأبناء على ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والهوايات المختلفة التي تنمي مهاراتهم وتساعدهم على استثمار أوقاتهم بصورة إيجابية. ويُعد الحوار المفتوح مع الأبناء حول مخاطر الاستخدام المفرط للتكنولوجيا من الوسائل المهمة لتعزيز وعيهم وقدرتهم على تنظيم وقتهم بشكل أفضل.
إن التكنولوجيا وسيلة نافعة إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تصبح مصدرًا للمشكلات النفسية والسلوكية إذا غاب التوازن والرقابة. ولذلك فإن مسؤولية الأسرة لا تقتصر على منع الاستخدام أو السماح به، بل تتمثل في تعليم الأبناء كيفية الاستفادة من التكنولوجيا بصورة واعية ومتوازنة تحافظ على صحتهم النفسية وتدعم نموهم السليم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق