د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
حين يُذكر الظلم، يتبادر إلى أذهان الكثيرين ظلم الأموال، وأكل الحقوق، وشهادة الزور، والاعتداء على الممتلكات. لكن هناك نوعًا من الظلم لا تُسجله المحاكم، ولا تتداوله الصحف، ولا يترك أثرًا ظاهرًا على الجسد، ومع ذلك قد يترك في النفس جرحًا يمتد سنوات طويلة...
إنه الظلم الواقع على القلوب.
اتقوا الله في قلوب الناس.
اتقوا الله في مشاعر من ائتمنكم على أسراره، وفتح لكم أبواب روحه، وصدق كلماتكم، وبنى على وعودكم أحلامًا ومستقبلًا وأملًا.
اتقوا الله في كلمة حب تُقال بغير صدق، وفي وعد يُمنح دون نية للوفاء، وفي اهتمام يُصنع لإبقاء إنسان متعلقًا بكم، لا لأنكم تريدونه، بل لأنكم تستمتعون بوجوده حولكم.
إن بعض الناس يستعظمون سرقة المال، لكنهم لا يستعظمون سرقة الطمأنينة.
ويخشون أكل حقوق العباد المادية، لكنهم لا يخشون العبث بمشاعرهم وكسر خواطرهم وإهدار سنوات من أعمارهم في انتظار سراب.
والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
فكل كلمة تخرج من أفواهنا محسوبة، وكل وعد نعطيه مكتوب، وكل أمل نزرعه في قلب إنسان سنُسأل عنه يوم نقف بين يدي الله.
ويقول سبحانه:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
وليس البخس مقتصرًا على الأموال والتجارات، بل يشمل كل حق للإنسان، ومن أعظم الحقوق الصدق والوضوح والأمانة في التعامل.
لقد جعل الإسلام الصدق أساس النجاة، فقال النبي ﷺ:
«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة».
وجعل الخداع والغش من أخطر الأخلاق، فقال ﷺ:
«من غشنا فليس منا».
والغش لا يكون في البيع والشراء فقط، بل في كل علاقة يُظهر فيها الإنسان ما لا يبطن، ويمنح من الوعود ما لا ينوي الوفاء به، ويقدم من المشاعر ما لا يحمل لها حقيقة في قلبه.
بل إن النبي ﷺ جعل إيذاء الناس أمرًا عظيمًا فقال:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
فكم من قلوب أُوذيت باللسان؟
وكم من نفوس هُدمت بسبب كلمات قيلت ثم تُرك أصحابها يواجهون آثارها وحدهم؟
إن انتهاء العلاقات ليس جريمة، وتغير المشاعر ليس ذنبًا، والظروف قد تحول بين الناس وبين ما يتمنون.
لكن الجريمة الأخلاقية أن تكذب.
أن تعد وأنت تعلم أنك لن تفي.
أن تمنح الأمل وأنت لا تنوي البقاء.
أن تزرع التعلق وأنت تعلم أنك سترحل.
أن تستمتع بمكانتك في قلب إنسان بينما لا تمنحه الحد الأدنى من الصدق والوضوح.
إن القلوب ليست لعبة.
وليست وسيلة لملء الفراغ.
وليست محطات مؤقتة نعبرها حين نحتاج ثم نغادرها حين نشبع.
ومن أعظم العبادات التي غفل عنها كثير من الناس جبر الخواطر، ومن أعظم الذنوب التي يستهين بها البعض كسر القلوب وإهانة المشاعر والتلاعب بالنفوس.
ولذلك كان السلف يقولون إن حقوق العباد مبنية على المشاحة، لأن الله قد يغفر ما بين العبد وبينه إذا شاء، أما حقوق الناس فلا تُترك حتى يقتص لأصحابها.
فليتذكر كل إنسان قبل أن يتلاعب بمشاعر أحد أن هناك يومًا يقف فيه الجميع أمام الله، يوم لا تنفع فيه المبررات، ولا تُخفى فيه النوايا، ولا يضيع فيه حق لمظلوم.
يوم تُسأل الألسنة عما قالت،
والقلوب عما قصدت،
والنفوس عما أوجعت.
فإذا لم تستطع أن تمنح أحدًا حبًا صادقًا، فلا تمنحه وهمًا.
وإذا لم تكن قادرًا على الوفاء، فلا تعطِ وعودًا.
وإذا لم ترد البقاء في حياة أحد، فارحل بصدق وكرامة، ولا تترك خلفك قلبًا مكسورًا ونفسًا مثقلة بالحيرة والأسئلة.
اتقوا الله في قلوب الناس...
فإن القلوب عند الله عظيمة القدر، وإن جبرها عبادة، وإن كسرها ظلم، وإن الله لا يخفى عليه وجع المظلوم، ولا دمعة المكسور، ولا أنين قلبٍ ظن أن الصدق يسكن قلوب الجميع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق