الفصل الثالث
في صباح اليوم نفسه كان بيت إبراهيم القناوي هادئًا من الخارج، لكنه يغلي من الداخل بقلق ثقيل.
البيت قديم، جدرانه من الطين المدهون بالجير الأبيض، تعلوه شقوق صغيرة، وأبوابه الخشبية ذات لون بني باهت، وكأنها تشهد على عمر طويل من الفصول القاسية.
في فناء البيت الصغير تنتشر أواني الفخار المملوءة بالماء وسلة من القش بها بعض الخضار الطازجة وعلى الحائط المائل تتدلى طرحة سوداء قديمة.
في الغرفة الداخلية جلست فاطمة امرأة تجاوزت الخمسين، وجهها أسمر مشوب بملامح الشقاء، تجاعيدها تحكي حكايات عمر طويل بين الحقل والمطبخ، وعيناها العسليتان تلمعان بقلق لا يهدأ.
كانت ترتدي جلبابًا صعيديًا داكن اللون، وعلى رأسها طرحة سوداء تلفها بإحكام، ويديها الخشنتين تعبثان بطرف الطرحة كلما زاد توترها.
بجوارها كان يجلس زوجها "الشيخ عبد الجليل"، رجل في الخامسة والستين، كفيف البصر، ذو لحية بيضاء مهذبة، يرتدي جلبابًا رماديًا نظيفًا، وعلى رأسه طاقية صوفية داكنة، وعلى كتفه شال صوف بني اللون.
بجواره عصاه الخشبية التى نحتت له مِن أفرع شجرة الصفصاف لتتحمله لكثرة استخدامها حيث كان يستند عليها حين يتحرك.
كانت "فاطمة" تتحدث بصوت متوتر:
تحدثت فاطمة:
"يا شيخ عبد الجليل، قلبي فيه غصة... ابننا " إبراهيم" لم يعد إلى المنزل حتى الأن."
رد عليها الشيخ بصوت هادئ يحاول أن يزرع الطمأنينة في قلبها:
فأجابها الشيخ "عبد الجليل" "اصبري يا فاطمة... ابننا سوف يأتي بإذن الله تعالى، لا داعي للقلق ."
لكن الأم لم تهدأ، بل زاد قلقها وهي تضغط على صدرها بيدها:
و صمتت فاطمة قليلاً كأنها تتذكر شيئاً:
"لقد روداني في منامي حلم مزعج يا شيخ "عبد الجليل" لقد رأيتُ ابننا " إبراهيم" يشعل في بيتنا ناراً، وأخوه "سالم" يحاول يطفي هذه النار، و لكن النار كانت تتزايد وتأكل كل شيء إلى أن مسّت إبراهيم ولحقت به.
استيقظتُ وأنا أسيل عرقاً مِن جبيني، ولن أستطيع السيطرة على نفسي وتملئني الرجفة ويحيط بي التوتر والقلق وقلبي يخفق بضربات سريعة، و مِن بعدها عيني لم تعرفت النوم مجدداً ."
تنهد الشيخ، ثم قال محاولًا التخفيف عنها وكان في قلبه الزعر أكثر منها ولكن يحاول إخفاء هذا:
"استبشري خير، النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا بشروا ولا تنفروا... إن شاء الله خيراً يا فاطمة."
لكنها رفعت عينيها إلى السماء و دعت:
"يارب... اجعلها خيراً ."
أخذ الشيخ يتحدث بنبرة العتاب الممزوجة بالحزن لزوجته:
"كثيراً يا فاطمة قلت لإبراهيم أن يبتعد عن أصحاب السوء،و يركز في عمله، ولا يسهر خارج البيت... مثل أخيه "سالم" ربنا حافظه، ولكن ابراهيم لا يصغى ولا يستجيب لأي نصيحة هو فقط يفعل ما يدور برأسه فقط ولا يسمع لأحد قط.
و لكن ما بيدي غير أن أقول... الله يهديه ويصلح حاله."
وقبل أن ترد الأم، دوّى طرق قوي على باب البيت.
نهضت "فاطمة" مسرعة، وفتحت الباب، فإذا بفتاة في العشرين مِن عمرها، وجهها أبيض مشرق رغم علامات القلق عليه، ترتدي عباءة صعيدية لونها زهري مزينة بورود حمراء وزرقاء، وعلى رأسها طرحة زهرية، تخرج مِن تحتها خصلة شعر مصبوغة باللون الأشقر.
في قدميها شبشب بسيط، وأظافرها مطلية بلون أحمر فاقع.
ابتسمت الفتاة بخفة وهي تقول:
"صباح الخير يا خاله فاطمة."
كانت هذه "بدور" جارتهم اليتيمة التي تعيش وحدها في بيت أهلها بعد وفاتهم.
ردت الخاله "فاطمة" بتحية فاترة يشوبها القلق، ثم سألتها "بدور":
"أين ياسمين يا خاله فاطمة....؟"
فأجابت الخاله فاطمة:
"إنها بالداخل نائمة في غرفتها يا
ابنتي خير...؟"
فقالت "بدور ":
لقد جئت للإطمئنان عليها هل هي بخير اليوم....؟
فأجابت الخاله "فاطمة ":
بلا يا بدور فهي ما زالت مريضة وأنا قلقه عليها جداااا، وقلقة أيضاً على ابراهيم وغيابه.....!!!!
ثم سألتها بدور بخطوات مترددة ما سبب قلقك على ابراهيم يا خاله :
"وأين إبراهيم الأن ...؟"
"فأجابت الخاله "فاطمة"و (تنهدت): "لم نعرف عنه شيئاً مِن ليلة أمس يا بدور."
هزت "بدور" رأسها بقلق وقالت:
لقد جئت وظننت أن إبراهيم هنا في البيت لأخبره ما حدث لأصحابه ....!!!
فقالت الخاله فاطمة وهي منزعجة ماذا حدث لأصحابه ابراهيم يا ابنتي تكلمي....!!!
فقالت بدور :
"يا خاله فاطمة... القرية بأجمعها مقلوبة رأساً على عقب، والشرطة في كل مكان...!!!"
وضعت الخالة فاطمة يدها على صدرها وقالت:
"خير يا رب...!!!
ماذا حدث يا بدور..؟
طمنيني."
أجابت بدور بصوت خافت ومتوتر:
"لقد عثروا على اتنين مقتولين عند الترعة القبلية... فجئت لأطمئن على ابراهيم و ياسمين ."
شحب وجه الأم "فاطمة"، وزادت نبضات قلبها :
وقتها نهض الشيخ "عبد الجليل" مذعوراً لما سمعه مِن "بدور" وقال :
"أخبريني يا ابنتي عن كل ما حدث بالخارج و مٓن هما الأتنين الذين قتلوا يا بدور؟"
فأجابت بدور على الشيخ "عبد الجليل" :
أنه "عدوي أبو البكري... وشرقاوي أبو ربيع" يا شيخ .
شهقت فاطمة ولطمت على رأسها بتوتر وفقدان أعصابها:
"ابني...!
ابني يا شيخ عبد الجليل....!
أصحاب إبراهيم...!
وهو لم يعد مِن ليلة آمس حتى الآن..!!!"
فتحرك الشيخ عبد الجليل من مكانه باحثاً عن عصاه رغم عماه، يتلمس بأركان المكان حتى وجد عصاه ليتحرك للبحث عن ابنه إبراهيم في القرية، وصوته يرتجف:
"ماذا تقولين يا بدور....؟!
عدوي وشرقاوي قتلوا.....؟"
فأجابت بدور:
"نعم يا شيخ... والشرطة في كل مكان تحقق مع الجميع بالقرية."
ارتفع صوت الأم بالبكاء:
" يا رب أستر... إبراهيم كان معهم دائمًا... أين ابني....؟!"
وفي هذه اللحظة، خيّم على البيت صمت ثقيل... صمت لم يكن يقطعه سوى دقات قلب أم تنتظر مصير ابنها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق