الخميس، 25 يونيو 2026

التعليم بين الانهيار الأخلاقي وغياب الوعي.. من ينقذ مستقبل الأجيال؟

✍️ بقلم
كرم أيمن سعد غفري
مستشار بالاتحاد الدولي للعلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان

لم تعد أزمة التعليم في مجتمعنا تقتصر على ضعف التحصيل الدراسي أو تراجع مستوى الطلاب فحسب، بل أصبحت أزمة متشابكة تمس الأخلاق والتربية والثقافة والوعي الديني، حتى بات الجميع يتساءل: إلى أين نسير بأبنائنا؟

لقد شهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة حالة من التراجع الملحوظ في منظومة القيم، نتيجة عوامل عديدة يأتي في مقدمتها تراجع دور الأسرة، واتساع الفجوة بين الآباء والأبناء، والانشغال المفرط بمواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب ضعف الاهتمام بالعلم والثقافة والتربية الدينية السليمة.

إن الأسرة هي المدرسة الأولى، فإذا غاب دورها في المتابعة والتوجيه والرقابة، أصبح الأبناء فريسة سهلة للجهل والانحراف الفكري والأخلاقي. فكم من أب وأم تركا أبناءهما نهباً للهواتف المحمولة ومواقع التواصل دون متابعة أو توجيه، فكانت النتيجة جيلاً يعاني من ضعف الانتماء، وقلة الوعي، وتراجع القيم.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعفاء بعض عناصر المنظومة التعليمية من المسؤولية، فالمعلم الذي أهمل رسالته، وتخلى عن دوره التربوي والتعليمي، وأسقط من حساباته أن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، ساهم بصورة أو بأخرى في تفاقم الأزمة. فالمعلم هو القدوة، وإذا فقد الطالب قدوته داخل المدرسة، فمن أين يكتسب القيم والأخلاق؟

وقد أثارت مناقشات مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول فيلم "برشامة"، وانقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، إلا أن كثيراً من الناس لم يدركوا الرسالة الحقيقية التي يحاول الفيلم إيصالها، وهي التحذير من خطورة ثقافة الغش والتحايل والبحث عن النجاح السريع دون جهد أو علم أو أخلاق.

إن الفيلم يدق ناقوس الخطر، ويؤكد أن المستقبل الفاشل لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه أيضاً شخصيات اعتادت الغش، وسلكت طرقاً مختصرة لتحقيق مصالحها، بعيداً عن الاجتهاد والعمل الشريف والقيم الدينية والأخلاقية.

صحيح أن بعض الأسر تنجح في تربية أبنائها رغم التحديات، لكن المؤسف أن عدداً كبيراً منها يفشل بسبب غياب المتابعة وضعف الوعي التربوي.

ولكن، هل انتهى الأمل؟

الإجابة: لا.

فالحلول موجودة إذا توافرت الإرادة الحقيقية.

فما الحل يا أهل العلم؟

إعادة الاعتبار للمدرسة والمعلم، وتأهيل المعلمين تربوياً وثقافياً.

تطوير المناهج لتجمع بين العلم والقيم والأخلاق.

تفعيل الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية داخل المدارس.

فما الحل يا أهل الدين؟

تكثيف برامج التوعية الدينية الوسطية المعتدلة.

تعزيز دور المساجد والكنائس في نشر قيم التسامح والانتماء واحترام الآخر.

ترسيخ مفهوم أن الدين أخلاق قبل أن يكون شعائر.

فما الحل يا فلاسفة ومفكري الأمة؟

نشر الفكر المستنير ومحاربة الجهل والتعصب.

دعم المبادرات الثقافية الهادفة التي تعيد بناء الوعي المجتمعي.

إننا نناشد وبكل قوة الجهات التنفيذية والإدارية العليا، والجهات التشريعية، والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية، وكذلك لجان حقوق الإنسان، بالتدخل العاجل لوضع استراتيجية وطنية شاملة لإنقاذ الأجيال القادمة.

كما نطالب بإطلاق حملات قومية لمحو الأمية، وحملات مكثفة لنشر الوعي الأخلاقي والثقافي والديني، مع استثمار وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في بناء الإنسان لا هدمه.

فالأمم لا تُبنى بالمال وحده، وإنما تُبنى بالعلم والأخلاق والوعي.

وإذا أردنا مستقبلاً أفضل لأبنائنا، فعلينا أن نبدأ اليوم، قبل أن يصبح الإصلاح أكثر صعوبة.

إن إنقاذ التعليم ليس مسؤولية وزارة أو مؤسسة بعينها، بل هو مسؤولية وطن بأكمله.

فهل نتحرك قبل فوات الأوان؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot