في عصر السرعة، أصبح كثير من الناس يربطون بين التغيير والقرارات الكبيرة، بينما يغفلون قوة التحسين المستمر.
فالإنجازات العظيمة لا تبدأ دائمًا بقفزات هائلة، بل بخطوات صغيرة تتكرر كل يوم.
شركة تحسن جودة منتجها بنسبة بسيطة كل عام، بعد سنوات تصبح في مقدمة المنافسين.
وموظف يكتسب مهارة جديدة كل عدة أشهر، يجد نفسه بعد فترة يمتلك خبرات يصعب منافستها.
ودولة تطور خدماتها وإجراءاتها تدريجيًا، تكتشف بعد عقد من الزمن أنها قطعت مسافة كبيرة دون ضجيج.
المشكلة أن التحسين البسيط لا يلفت الانتباه.
فالناس تنجذب إلى القرارات الثورية والإنجازات الضخمة، لكنها لا ترى قيمة التغييرات الصغيرة التي تتراكم مع الوقت.
مع أن هذه التغييرات هي التي تصنع الفارق الحقيقي.
فخفض مدة إنجاز معاملة من خمسة أيام إلى أربعة قد يبدو أمرًا محدودًا، لكن إذا تكرر ذلك في آلاف المعاملات يوميًا، فإن أثره الاقتصادي يصبح هائلًا.
وتقليل نسبة الهدر في مصنع بنسبة واحد في المائة فقط قد يوفر ملايين الجنيهات خلال سنوات.
ولهذا تعتمد المؤسسات العالمية على ثقافة التحسين المستمر، لأنها تدرك أن الكمال لا يتحقق دفعة واحدة، بل عبر مراجعة دائمة لكل التفاصيل، مهما بدت صغيرة.
والأمر نفسه ينطبق على الأفراد.
فالقراءة عشرين دقيقة يوميًا قد تبدو عادة بسيطة، لكنها تعني عشرات الكتب خلال سنوات.
وممارسة الرياضة بانتظام، حتى لفترة قصيرة، تصنع أثرًا لا تحققه محاولات متقطعة وعنيفة.
لا يصنع المستقبل قرار واحد استثنائي دائمًا،
بل تصنعه مئات التحسينات الصغيرة التي يلتزم بها الإنسان أو المؤسسة أو الدولة دون توقف.
لأن التقدم الحقيقي ليس أن تقفز خطوة كبيرة مرة واحدة،
بل أن تتحرك خطوة إلى الأمام كل يوم، حتى تصبح المسافة التي قطعتها أكبر مما كنت تتخيل.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق