في كل مشروع ناجح، هناك مرحلة لا يتحدث عنها أحد، رغم أنها الأصعب والأهم: مرحلة البناء الصامت.
هي الفترة التي يبذل فيها الإنسان جهدًا كبيرًا، بينما تبدو النتائج محدودة أو غير مرئية.
يعمل، ويتعلم، ويجرب، ويصحح أخطاءه، لكن من حوله قد لا يلاحظ شيئًا مختلفًا.
وهنا يتوقف كثيرون.
ليس لأنهم غير قادرين على النجاح، بل لأنهم يقيسون تقدمهم بما يراه الآخرون، لا بما يبنونه في الخفاء.
لكن الحقيقة أن أغلب الإنجازات الكبيرة مرت بهذه المرحلة.
المصنع لا يبدأ بالإنتاج في يوم واحد، بل تسبقه شهور من الإنشاء والتجهيز والاختبارات.
والباحث لا يصل إلى اكتشاف مهم من أول تجربة، بل بعد عشرات المحاولات التي قد لا يسمع بها أحد.
والشركة الناجحة لا تظهر فجأة، بل تقضي سنوات في بناء فريقها، وتحسين منتجاتها، واكتساب ثقة عملائها.
المشكلة أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي جعل الناس يرون لحظات النجاح، ولا يرون سنوات الإعداد.
فنشاهد النتيجة النهائية، بينما تبقى رحلة الوصول إليها مخفية عن الأنظار.
ولهذا يظن البعض أن النجاح يأتي بسرعة، فيشعر بالإحباط عندما لا يجد نتائج فورية لجهده.
لكن البناء الحقيقي يحتاج وقتًا.
فكل مهارة تُكتسب، وكل خبرة تُراكم، وكل خطأ يُصحح، هو حجر جديد في أساس لا يراه أحد الآن، لكنه سيحمل إنجازات كبيرة في المستقبل.
وينطبق ذلك على الدول أيضًا.
فالإصلاحات الكبرى لا تؤتي ثمارها في أسابيع أو أشهر، بل تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل حتى تظهر نتائجها في الاقتصاد والتعليم والصناعة.
لا تحكم على قيمة ما تفعله بما تحققه اليوم فقط،
بل بما تبنيه للمستقبل.
فالأشجار الأقوى هي التي قضت أطول وقت في مد جذورها داخل الأرض قبل أن تمتد أغصانها إلى السماء.
ولهذا، فإن مرحلة البناء الصامت ليست تأخيرًا للنجاح،
بل هي الجزء الذي يجعل النجاح قادرًا على الاستمرار.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق