الأحد، 28 يونيو 2026

حريّة الصّقر

كتبت ٠نزهه ابو غوش
محرر صحفي ٠٠ نانسى صبحي 

لقد استفزّتني قصّة ذلك المزارع الّذي أحبّ الصّقور، وفكّر يوما أن يحشر صقرا في قفص، يدلله ويحميه ويطعمه؛ حتّى يكبر. وعندما اشتدّ عوده وكبر أطلقه في الفضاء الرّحب؛ لكن للأسف الشّديد هبط الطّير على الأرض ولم يستطع التّحليق أبدا. 
 إنّ المزارع  — دون أن يشعر — حرمه من أهم ما يحتاجه الكائن الحيّ: تجربة السّقوط، والخوف، والمحاولة، وتعلّم الاعتماد على النفس. وحين فتح له باب القفص أخيرًا، لم يستطع التحليق؛ لأن الأجنحة التي لا تُستخدم تضعف، والرّوح التي لم تواجه الرّيح تخاف السّماء.
فكّرت كيف   يمكنني أن أربط ذلك تربويّا بطريقة تربية الآباء لأبنائهم؛ حيث إن بعض الأهالي، بدافع الحبّ والخوف، يقدّمون لأطفالهم كلّ شيء جاهزًا: يحلّون عنهم المشكلات، ويمنعون عنهم الفشل، ويتّخذون القرارات بدلًا منهم، ويحيطونهم بحماية زائدة تجعلهم غير قادرين على مواجهة العالم الحقيقي؛ فيكبر الطفل وهو يملك شهادات وربّما مواهب، لكنه يفتقر إلى الصّلابة النفسيّة والاستقلاليّة والقدرة على اتخاذ القرارات. 
عندما يخرج الشّابّ إلى الحياة يصطدم بها كما اصطدم الصّقر المفتوح له باب السماء. لم ّيكن الصّقر عاجزًا لأنه وُلد ضعيفًا، بل لأنه تربّى بعيدًا عن الريح؛ ففي القفص وجد الطّعام، لكنّه لم يتعلّم الصّيد، ووجد الأمان، لكنّه لم يتعلّم الشّجاعة. وهكذا يفعل بعض الحبّ حين يتحوّل إلى حماية زائدة؛ يصنع أبناءً يخافون الحياة كلما فَتحت أمامهم أبوابها.
الأبناء لا يحتاجون فقط إلى من يحبّهم، بل إلى من يهيّئهم للحياة. فالتربية ليست توفير الطريق الممهّدة دائمًا، بل تعليم الطفل كيف يمشي حين تتعثر الطّرق، وكيف ينهض إذا سقط، وكيف يستخدم جناحيه عندما يحين وقت التحليق.
إنّ بعض الأهالي يتدخّلون في كلّ خلاف يعيشه الطّفل مع أصدقائه، فينشأ عاجزًا عن الحوار أو الدّفاع عن نفسه أو فهم طبيعة العلاقات البشرية. 
 الطّفل الذي يحصل على كلّ ما يريد فورًا، دون انتظار أو جهد، قد يصبح أقلّ قدرة على الصّبر وتحمّل الإحباط؛ لأنّ الحياة لا تمنح كلّ شيء بهذه السّهولة ومن الأمثلة التربوية الحديثة: طفل لا يعرف استخدام المواصلات أو شراء حاجاته البسيطة، رغم بلوغه سنًّا متقدّمة؛ لأن أهله كانوا يقومون بكلّ شيء عنه.
 شابّ يتفوّق أكاديميّا، لكنه يعجز عن اتّخاذ قرار مصيري وحده؛ لأنّه اعتاد أن يفكّر والداه بدلًا منه. 
فتاة تخشى الفشل بصورة مرضيّة؛ لأنّ أهلها لم يسمحوا لها يومًا بخوض تجربة تخسر فيها.
 وهنا تظهر الفكرة الأساسية بأنّ الحماية الزّائدة قد تبدو حبّا، لكنها أحيانًا تمنع الأبناء من بناء "عضلات الحياة" النفسيّة والعقليّة والاجتماعيّة، تمامًا كما ضعفت أجنحة الصقر داخل القفص الجميل. الأهالي الأعزّاء، دعونا نطلق أجنحة صقورنا عاليا؛ كي تحلّق ما فوق الغيوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot