الأحد، 28 يونيو 2026

30 يونيو... يومٌ لم يُكتب بالحبر، بل خُطَّ بدماء الرجال


بقلم

المستشار / كرم أيمن سعد غفرى

مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان

قف... قبل أن تقرأ.

ضع يدك على قلبك...

ثم انظر إلى بيتك...

انظر إلى أطفالك وهم يضحكون...

إلى والدتك وهى تنام مطمئنة...

إلى زوجتك التى تنتظرك كل مساء...

إلى والدك الذى يجلس أمام منزله فى هدوء...

إلى شوارع مصر التى تمتلئ بالحياة...

ثم اسأل نفسك سؤالًا واحدًا...

كم روحًا رحلت... حتى نحيا نحن؟

كم شهيدًا ودع الدنيا وهو يعلم أنه لن يرى أبناءه مرة أخرى؟

كم أمٍّ ودعت فلذة كبدها وهى تبتسم، بينما قلبها ينزف، لأنها كانت تعلم أنه خرج ليحمى وطنًا بأكمله؟

وكم زوجة احتضنت صورة زوجها الشهيد كل ليلة، وهى تهمس:

"رحلت أنت... وبقيت مصر."

لم يكن 30 يونيو مجرد تاريخ على صفحات التقويم...

بل كان صرخة وطن.

وكان نبض شعب.

وكان لحظة قرر فيها المصريون أن مستقبل بلادهم يستحق التضحية والعمل، وأن مصر ستظل أكبر من كل محنة.

وقف الشعب كتفًا بكتف...

ثم وقف خلفه رجالٌ لا يعرفون إلا معنى الشرف...

رجالٌ أقسموا أن تموت أجسادهم قبل أن تمس يدٌ سوء أرض الكنانة.

إلى جيش مصر...

أيها الجيش العظيم...

يا أبناء خير أجناد الأرض...

لم تحملوا السلاح حبًا فى الحرب...

بل حملتموه حبًا فى السلام.

لم تخرجوا لتبحثوا عن مجد شخصى...

بل خرجتم لتصنعوا مجد وطن.

وقفتم فى مواجهة الإرهاب والتطرف والعنف، فى أصعب الظروف وأقسى اللحظات، وأنتم تعلمون أن الطريق قد ينتهى بالشهادة، لكنكم لم تتراجعوا.

واجهتم الموت بقلوب ثابتة...

ولم يكن همكم إلا أن يبقى علم مصر مرفوعًا، وأن تبقى حدودها مصونة، وأن يظل شعبها آمنًا.

تركتم أبناءكم...

حتى لا يُحرم أبناء الوطن من الأمان.

تركتم دفء البيوت...

لتقفوا فى حر الصحراء، وبرد الليالى، وعلى قمم الجبال، وفى كل موقع يناديكم الواجب.

نمتم على الرمال...

لكى ننام نحن فوق وسائدنا.

وقفتم على الحدود...

لكى تظل أبواب بيوتنا مفتوحة بلا خوف.

كنتم السد الذى تحطمت عليه أطماع الأعداء، والحصن الذى واجه الإرهاب والتطرف، والدرع الذى احتمى به الوطن فى أحلك الساعات.

فلكم منا كل التقدير والامتنان.

ولن ننسى رجال الشرطة الأوفياء...

الذين وقفوا فى الصفوف الأولى، يواجهون الخطر، ويحرسون أمن الناس، ويؤدون واجبهم بإخلاص، وقدم كثير منهم أرواحهم دفاعًا عن وطنهم.

أيها الشهيد...

قد يظن البعض أنك رحلت...

لكن الحقيقة أنك ما زلت حيًا فى دعاء أمك...

وفى دمعة أبيك...

وفى ضحكة طفل يذهب إلى مدرسته آمنًا...

وفى كل علم يرفرف فوق سماء مصر.

أنت لم تمت...

بل علمتنا أن الوطن لا يُشترى، ولا يُباع، وأن الأمان الذى نعيشه له ثمن، دفعه رجال صدقوا عهدهم.

يا أبناء مصر...

إذا رأيتم طفلًا يلهو فى أحد الشوارع...

فتذكروا أن هناك من ضحى بعمره ليبقى هذا الطفل آمنًا.

وإذا عدتم إلى بيوتكم بعد يوم عمل طويل...

فاذكروا أن هناك جنودًا ما زالوا فى مواقعهم، يسهرون حتى تناموا مطمئنين.

وإذا رفعتم أعينكم إلى علم مصر...

فلا تنظروا إليه كقطعة قماش...

بل انظروا إليه كما يراه الجندى الذى أقسم أن يفتديه بروحه.

مصر ليست مجرد أرض...

إنها أمٌّ تحتضن أبناءها.

إنها تاريخٌ لا ينكسر.

إنها حضارةٌ لا تموت.

إنها وطنٌ إذا اشتدت عليه المحن، أنجب رجالًا يكتبون المجد بدمائهم.

سلامٌ على كل أم شهيد.

سلامٌ على كل أب صابر.

سلامٌ على كل جندى مرابط.

سلامٌ على كل ضابط مخلص.

سلامٌ على كل مصرى يعمل بإخلاص من أجل رفعة هذا الوطن.

وسلامٌ على مصر...

التى علمت الدنيا أن الأوطان لا تُقاس بالكلمات، بل تُصان بالإيمان، والعمل، والتضحية.

تحيا مصر... بشعبها العظيم.

تحيا مصر... بجيشها الباسل الذى ظل حصنها وسيفها ودرعها.

تحيا مصر... بشرطتها الوطنية التى وقفت جنبًا إلى جنب مع جيشها فى حماية الوطن.

تحيا مصر... بشهدائها الذين كتبوا بدمائهم صفحات العزة والكرامة.

اللهم احفظ مصر، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، واحفظ جيشها، وشرطتها، وشعبها، وارحم شهداءها، واجعل تضحياتهم نورًا يهدى الأجيال إلى معنى حب الوطن والانتماء إليه.

عاشت مصر... وستبقى، بإذن الله، قويةً، عزيزةً، آمنةً، ما بقيت الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot