لم يعد الإنسان اليوم يعيش حياته فقط، بل أصبح يعيش أيضًا تحت مراقبة مستمرة من آراء الآخرين.
فكل قرار، أو صورة، أو فكرة، أصبح قابلًا للتقييم والتعليق والمقارنة خلال لحظات.
ومع انتشار وسائل التواصل، تحولت الحياة عند كثير من الناس إلى ما يشبه “العرض الدائم”.
الجميع يشاهد الجميع، والجميع يقارن نفسه بالجميع.
المشكلة أن الإنسان بطبيعته يتأثر بنظرة المجتمع له، لكن هذا التأثير كان قديمًا محدودًا بدائرة صغيرة من الناس.
أما الآن، فقد توسعت الدائرة بشكل هائل، حتى أصبح الفرد يتعرض يوميًا لمئات الآراء والانطباعات دون أن يشعر.
ولهذا أصبح البعض يتخذ قراراته بناءً على الشكل الذي ستبدو به أمام الآخرين، لا على ما يناسبه فعلًا.
وظيفة يختارها لإبهار الناس،
أو أسلوب حياة يحاول الحفاظ عليه فقط حتى لا يبدو أقل من غيره.
ومع الوقت، يبدأ الإنسان في فقدان صوته الحقيقي وسط هذا الضجيج.
الأخطر أن السعي المستمر للحصول على القبول يجعل الراحة النفسية مرتبطة بشيء غير ثابت أصلًا:
رضا الآخرين.
لكن رضا الناس متغير بطبيعته،
وما يثير الإعجاب اليوم قد يصبح عاديًا غدًا،
ولهذا يدخل البعض في سباق لا ينتهي للحفاظ على الصورة التي صنعها.
كما أن الحياة الرقمية تعرض دائمًا النسخ “المعدلة” من حياة الآخرين، لا حقيقتها الكاملة.
فالناس تنشر أفضل اللحظات غالبًا، بينما تخفي التعب والضغوط والمشكلات.
لكن العقل يقارن حياته الكاملة بحياة الآخرين المنتقاة بعناية، وهنا يبدأ الشعور الدائم بالنقص أو عدم الرضا.
ربما لم تصبح المشكلة أن الناس تراقب بعضها فقط،
بل أن كثيرين فقدوا القدرة على عيش حياتهم بهدوء بعيدًا عن الحاجة المستمرة إلى التقييم والقبول.
لأن الإنسان حين يعيش فقط ليبدو جيدًا أمام الآخرين،
قد ينسى تدريجيًا أن يسأل نفسه:
هل هذه الحياة تناسبه هو فعلًا؟
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق