د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
أصبحت ظاهرة تعدد العلاقات من أكثر الظواهر انتشارًا في العصر الحديث، خاصة مع سهولة التواصل والانفتاح الكبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع تكرار هذا السلوك بدأ كثير من الناس يتساءلون: هل تعدد العلاقات دليل على الحرية والانفتاح؟ أم أنه يعكس مشكلة نفسية أعمق داخل الإنسان؟
الحقيقة العلمية أن تعدد العلاقات ليس دائمًا مرضًا نفسيًا بالمعنى الطبي، لكنه في كثير من الأحيان يكون مؤشرًا على اضطراب داخلي أو خلل عاطفي يجعل الإنسان غير قادر على الاستقرار النفسي أو العاطفي. فهناك فرق كبير بين شخص مرّ بتجارب مختلفة في حياته بشكل طبيعي، وبين شخص يعيش في دائرة مستمرة من العلاقات المتعددة دون قدرة على التوقف أو الالتزام أو بناء علاقة مستقرة.
بعض الأشخاص يدخلون علاقات كثيرة هربًا من شعور داخلي بالفراغ والوحدة. فهم لا يحتملون البقاء مع أنفسهم، لذلك يبحثون دائمًا عن شخص جديد يمنحهم الاهتمام والإعجاب والشعور المؤقت بالقيمة. وهنا لا تكون العلاقة حبًا حقيقيًا بقدر ما تكون محاولة للهروب من الألم الداخلي أو الشعور بالنقص.
وفي أحيان أخرى يكون السبب هو ضعف تقدير الذات، فبعض الناس يشعرون بقيمتهم فقط عندما يكونون محط اهتمام الآخرين. لذلك يحتاجون باستمرار إلى الإعجاب والمطاردة والانبهار، ويشعرون بالملل سريعًا بمجرد استقرار العلاقة أو تحولها إلى مسؤولية حقيقية. ومع الوقت يتحول الأمر إلى نوع من الإدمان العاطفي، حيث يصبح الإنسان غير قادر على الشعور بالحياة إلا من خلال بداية علاقة جديدة.
كما أن بعض اضطرابات الشخصية قد ترتبط بهذا السلوك، مثل الشخصية النرجسية التي تبحث دائمًا عن الإعجاب والسيطرة، أو الشخصية الحدية التي تعاني من اضطراب شديد في المشاعر والعلاقات، أو الشخصيات الاندفاعية التي تبحث عن الإثارة دون التفكير في النتائج.
لكن أخطر ما في تعدد العلاقات ليس عدد العلاقات نفسها، بل الأثر النفسي الذي يتركه هذا النمط على الإنسان مع مرور الوقت. فالتنقل المستمر بين العلاقات يؤدي غالبًا إلى تبلد المشاعر وفقدان القدرة على التعلق الحقيقي. يصبح الإنسان معتادًا على البدايات فقط، على الشغف المؤقت واللهفة الأولى، لكنه يهرب عندما تصل العلاقة إلى مرحلة العمق والاستقرار.
ومع الوقت يفقد الشخص ثقته بالآخرين، لأنه يبدأ في رؤية الناس بالطريقة نفسها التي يتعامل بها هو معهم. كما يشعر بفراغ دائم رغم كثرة العلاقات، لأن الاحتياج النفسي الحقيقي لا يُشبع بكثرة الأشخاص وإنما بالأمان والاستقرار والصدق العاطفي.
الحب الحقيقي لا يقوم على كثرة العلاقات ولا على التنقل المستمر بين الأشخاص، بل يقوم على النضج والقدرة على الاحتواء وتحمل المسؤولية وبناء علاقة مستقرة. أما الإنسان الذي يظل يبحث كل فترة عن شخص جديد، فغالبًا لا يكون باحثًا عن الحب بقدر ما يكون هاربًا من مواجهة نفسه.
وفي النهاية يمكن القول إن تعدد العلاقات قد يكون أحيانًا مجرد سلوك عابر، لكنه في حالات كثيرة يعكس أزمة نفسية أو فراغًا عاطفيًا أو خوفًا من الالتزام. لذلك فالعلاج الحقيقي لا يكون في تبديل الأشخاص، بل في فهم النفس ومعالجة أسباب القلق والفراغ وعدم الاستقرار الداخلي. لأن الإنسان كلما هرب من نفسه في علاقات كثيرة، عاد في النهاية ليواجه وحدته بشكل أكبر وأقسى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق