في مصر، أصبح عدد الهيئات والجهات والأجهزة المختلفة كبيرًا بصورة لافتة، حتى بات المواطن أحيانًا لا يعرف الجهة المسؤولة عن الخدمة أو القرار.
وفي الأصل، أُنشئت هذه الهيئات بهدف تنظيم القطاعات المختلفة، وتخفيف العبء عن الوزارات، وتسريع الإجراءات وتحسين كفاءة الإدارة، لكن الواقع في كثير من الأحيان كشف عن مشكلات متراكمة جعلت بعض هذه الكيانات تتحول إلى عبء على الدولة والمواطن معًا.
فمع تعدد الهيئات وتداخل اختصاصاتها، أصبحت الإجراءات أكثر تعقيدًا، وأصبح المستثمر أو صاحب المشروع مضطرًا للتنقل بين جهات عديدة للحصول على موافقة واحدة أو استكمال إجراء بسيط.
وكل جهة تطلب مستندات ورسومًا وإجراءات مختلفة، مما يؤدي إلى إهدار الوقت وزيادة التكلفة وتعطيل النشاط الاقتصادي.
كما أن هذا التضخم الإداري يفرض أعباء مالية ضخمة على الدولة.
فكل هيئة تحتاج إلى مقرات وموظفين وميزانيات تشغيل ومخصصات إدارية، إلى جانب النفقات المرتبطة باللجان والاستشارات والبدلات وغيرها.
وفي بعض الحالات، تعمل أكثر من جهة على الملف نفسه دون تنسيق كافٍ، وهو ما يضاعف الإنفاق دون تحقيق كفاءة حقيقية.
والأخطر أن بعض الهيئات والمؤسسات العامة تحقق خسائر سنوية كبيرة، ومع ذلك تستمر بالهياكل نفسها والمصروفات ذاتها دون مراجعة جادة أو إعادة هيكلة فعالة.
فتتحمل الدولة مليارات الجنيهات لتغطية خسائر كيانات لا تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا، ويتم تعويض هذه الخسائر من الموازنة العامة، أي من موارد الدولة التي كان يمكن توجيهها إلى التعليم أو الصحة أو البنية التحتية.
وفي كثير من الأحيان، لا ترتبط هذه الخسائر بالظروف الاقتصادية فقط، بل تعود أيضًا إلى الترهل الإداري، وضعف الكفاءة، وتضخم العمالة، وغياب المحاسبة الفعالة، مما يحول بعض الهيئات إلى كيانات تستهلك الموارد أكثر مما تضيف للاقتصاد.
أما المواطن، فهو يتحمل هذه الأعباء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فكل تعقيد إداري ينعكس على تكلفة الاستثمار والإنتاج، وبالتالي ترتفع أسعار السلع والخدمات، وتتراجع سرعة تنفيذ المشروعات وتوفير فرص العمل.
كما يشعر كثير من المواطنين أن بعض الجهات أصبحت تركز على تحصيل الرسوم أكثر من تقديم خدمة حقيقية ذات قيمة.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أهمية وجود هيئات متخصصة في مجالات حيوية مثل الدواء والطاقة والرقابة والسلامة والتنظيم المالي، فالدول الحديثة تحتاج إلى مؤسسات قوية ومتخصصة.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تضخم عدد الهيئات، وتكرار الأدوار، وضعف التنسيق، واستمرار بعض الكيانات الخاسرة دون تطوير أو دمج أو تقييم شامل لأدائها.
فنجاح أي دولة لا يقاس بعدد الهيئات الموجودة فيها، بل بمدى كفاءة هذه المؤسسات وقدرتها على تقديم خدمة سريعة وواضحة وفعالة بأقل تكلفة ممكنة على الدولة والمواطن.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق