الأحد، 3 مايو 2026

‏بين دفء الأسرة وسهولة الأصدقاء: لماذا يهرب الأبناء من المسؤولية؟

‏كتبت هذا المقال: 
‏أ/ هبة رأفت. 
‏أستاذة علم النفس التربوي والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
‏يُفاجأ كثير من الآباء بأن أبناءهم، رغم ما يتلقونه من حب واحتواء ودعم داخل الأسرة، ينجذبون بشكل واضح إلى أصدقائهم، ويجدون لديهم ما لا يجدونه في البيت، فيميلون إلى تقليدهم دون وعي، ويرفضون التوجيه، ويتنصلون من المسؤولية وكأنها عبء ثقيل لا يرغبون في حمله، وهنا يبدأ التساؤل: هل المشكلة في الأهل أم في الطفل أم في تأثير الأصدقاء؟
‏في الحقيقة، ما يحدث ليس دليلًا على نقص الحب داخل الأسرة، بل هو انعكاس لطبيعة المرحلة العمرية وطريقة إدراك الطفل أو المراهق للأمور، فالأصدقاء يمثلون له مساحة من الحرية والقبول غير المشروط، حيث لا توجد رقابة ولا توجيه مباشر ولا مطالب مستمرة، بل كل شيء يبدو بسيطًا وسهلًا وخاليًا من الضغوط، بينما تمثل الأسرة—حتى في أفضل حالاتها—مصدرًا للتوجيه والتنظيم ووضع الحدود، وهو ما يفسّره الطفل أحيانًا على أنه تقييد لحريته وليس حماية له.
‏وهنا يظهر الفرق الجوهري بين البيئتين، فالأصدقاء يمنحون شعورًا فوريًا بالراحة، بينما تمنح الأسرة بناءً طويل المدى للشخصية، لكن الطفل بطبيعته يميل إلى ما يمنحه الراحة السريعة، وليس بالضرورة ما يفيده على المدى البعيد، لذلك لا يكون اختياره قائمًا على الوعي، بل على الإحساس اللحظي.
‏كما أن المسؤولية في نظر الطفل ليست قيمة إيجابية بعد، بل عبء يُقيده ويحرمه من المتعة، خاصة إذا قُدمت له في صورة أوامر أو التزامات دون شرح أو مشاركة، فيبدأ في الهروب منها والبحث عن بيئة لا تُحمّله هذه الضغوط، فيجد ضالته في الأصدقاء، فيقلدهم دون تفكير كافٍ، لأن التقليد في هذه المرحلة هو أحد أساليب التعلم والانتماء.
‏ومن الأخطاء الشائعة أن يواجه الأهل هذا السلوك بمزيد من السيطرة أو الرفض التام للأصدقاء، فيزداد الطفل تمسكًا بهم، ليس لأنهم الأفضل، بل لأنهم يمثلون له ما يفتقده من شعور بالحرية والفهم، وهنا تتسع الفجوة بينه وبين أسرته دون أن يقصد أحد ذلك.
‏الحل لا يكمن في إلغاء التوجيه ولا في ترك الحبل على الغارب، بل في إعادة صياغة العلاقة التربوية، بحيث يتحول التوجيه من أوامر إلى حوار، ومن فرض إلى إقناع، ومن رقابة إلى متابعة واعية، مع إعطاء الطفل مساحة حقيقية للاختيار، حتى يشعر أنه شريك في القرار وليس مجرد منفّذ، فكلما زاد شعوره بالاحترام، زاد تقبله للمسؤولية.
‏كما أن من المهم ربط الحرية بالمسؤولية بشكل واضح، حتى يدرك الطفل أن الاستقلال لا يعني الفوضى، بل يعني القدرة على الاختيار وتحمل نتائجه، ومع الوقت يبدأ في فهم أن ما تقدمه الأسرة ليس تقييدًا، بل حماية وتوجيه يساعده على النجاح.
‏وفي المقابل، يجب ألا نُقلل من تأثير الأصدقاء، بل نتعامل معه بوعي، فنناقش السلوكيات دون مهاجمة الأشخاص، ونساعد الطفل على التفكير والتحليل بدلًا من الرفض أو المنع، لأن الهدف ليس عزله عن المجتمع، بل تأهيله للتعامل معه بوعي.
‏الطفل لا يهرب من أسرته لأنه لا يحبها، بل ينجذب لما يجعله يشعر بالراحة والقبول، والتحدي الحقيقي ليس في منعه من التأثر، بل في أن نجعله يمتلك وعيًا يجعله يختار الطريق الصحيح حتى في غيابنا، فالتربية الناجحة لا تُقاس بمدى سيطرتنا على أبنائنا، بل بمدى قدرتهم على إدارة حياتهم بأنفسهم بثقة واتزان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot