الخميس، 7 مايو 2026

حين ينفصل الوالدان… ماذا يحدث لطفل لا يفهم كل شيء لكنه يشعر بكل شيء؟

د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

في كثير من حالات الانفصال، ينشغل الكبار بالأوراق والمحاكم والخلافات وتقسيم الأدوار، بينما يبقى الطفل وحده أمام سؤال مؤلم لا يستطيع التعبير عنه بوضوح:
“هل ما حدث بسببي؟ وهل ما زلت محبوبًا كما كنت؟”
فالطفل قد لا يفهم أسباب الانفصال القانونية أو الاجتماعية، لكنه يلتقط التوتر، ويقرأ نبرة الصوت، ويشعر بالغياب، ويخزن الخوف داخل ذاكرته النفسية بصمت.
ولهذا، فإن أخطر ما في الانفصال ليس الانفصال ذاته دائمًا، بل الطريقة التي يُدار بها نفسيًا أمام الطفل.
الطفل لا يفقد بيتًا فقط… بل يفقد إحساسه بالأمان
الأسرة بالنسبة للطفل ليست مجرد مكان للسكن، بل هي “الخريطة النفسية” التي يفهم بها العالم.
وحين تهتز هذه الخريطة فجأة، يشعر الطفل أن الحياة أصبحت غير مستقرة، حتى لو حاول الكبار إخفاء الأمر.
بعض الأطفال يعبّرون عن هذا الألم بالبكاء أو العصبية، والبعض الآخر يتحول إلى الصمت، أو العناد، أو التراجع الدراسي، أو الخوف الزائد، أو التعلق المرضي بأحد الوالدين.
وهنا تكمن الخطورة:
فالطفل لا يقول دائمًا “أنا متألم”… لكنه يترجم ألمه في السلوك.
كيف يرى الطفل الانفصال نفسيًا؟
يختلف إدراك الطفل للانفصال حسب عمره ومرحلة نموه النفسي:
في الطفولة المبكرة
قد يعتقد الطفل أن أحد الوالدين اختفى لأنه لم يكن “طفلًا جيدًا”.
فالطفل الصغير يميل لربط الأحداث بنفسه، ولذلك يشعر أحيانًا بالذنب دون أن يخبر أحدًا.
في سن المدرسة
يبدأ الطفل في الشعور بالخجل الاجتماعي أو القلق من نظرة الآخرين، وقد يعاني من التشتت وضعف التركيز والانخفاض الدراسي.
في مرحلة المراهقة
قد يتحول الألم إلى غضب أو تمرد أو فقدان ثقة بالعلاقات الإنسانية، خاصة إذا شهد صراعات حادة أو تشويهًا متبادلًا بين الوالدين.
الصراع المستمر أخطر من الانفصال نفسه
تشير دراسات نفسية كثيرة إلى أن الطفل قد يتكيف مع الانفصال بشكل أفضل من تكيفه مع بيت مليء بالصراخ والإهانة والعنف النفسي المستمر.
فالطفل الذي يعيش وسط نزاع دائم يشعر أنه في حالة تهديد نفسي مزمنة، مما يؤثر على:
ثقته بنفسه
إحساسه بالأمان
قدرته على تكوين علاقات مستقرة مستقبلًا
صحته النفسية والانفعالية
ولهذا، فإن الانفصال الهادئ أحيانًا يكون أقل ضررًا من الزواج المدمر.
أخطاء تؤذي الطفل بعد الانفصال
من أكثر السلوكيات تدميرًا لصحة الطفل النفسية:
استخدام الطفل كسلاح انتقام
حين يتحول الطفل إلى “وسيلة ضغط” بين الأب والأم، يشعر أنه ممزق بين حبّين، وكأنه مطالب باختيار أحدهما.
تشويه صورة الطرف الآخر
عندما يسمع الطفل إهانات متكررة لأحد والديه، يحدث داخله صراع نفسي؛ لأنه يرى نفسه جزءًا من هذا الطرف أيضًا.
تحميل الطفل مسؤوليات أكبر من عمره
بعض الأطفال يتحولون فجأة إلى “رجل البيت” أو “الأم الصغيرة”، فيفقدون طفولتهم مبكرًا.
اختفاء أحد الوالدين عاطفيًا
الغياب النفسي أخطر أحيانًا من الغياب الجسدي.
فالطفل يحتاج الشعور بأنه ما زال محبوبًا ومهمًا لكلا الطرفين.
ماذا يحتاج الطفل بعد الانفصال؟
الطفل لا يحتاج الكمال… بل يحتاج الطمأنينة.
ويحتاج أن يسمع رسائل واضحة مثل:
“أنت لست السبب.”
“ما زلنا نحبك.”
“لن تفقد أحدًا منا.”
“الخلاف بين الكبار لا يعني أنك فقدت الأمان.”
كما يحتاج إلى:
روتين ثابت قدر الإمكان
احتواء انفعالي لا تحقيقات وأسئلة
مساحة للتعبير عن مشاعره
عدم الزج به في الصراعات
علاقة مستقرة مع كلا الوالدين إذا أمكن
الصحة النفسية للطفل ليست رفاهية
كثير من الآباء يظنون أن توفير الطعام والتعليم يكفي، بينما تُترك الجروح النفسية دون علاج حتى تكبر مع الطفل وتتحول لاحقًا إلى:
قلق مزمن
صعوبة في الثقة بالآخرين
اضطرابات سلوكية
خوف من الارتباط
هشاشة انفعالية أو عدوانية
فالطفولة لا تنتهي بانتهاء العمر… بل تبقى داخل الإنسان طوال حياته.
وأخيرًا…
ليس المطلوب من الوالدين أن يكونا مثاليين بعد الانفصال،
لكن المطلوب ألا يدفع الطفل ثمن معركة لم يختر الدخول فيها.
فالطفل لا يحتاج أن يرى والدين متزوجين فقط،
بل يحتاج أن يشعر أنه ما زال آمنًا… محبوبًا… وغير مهدد بالفقد.
لأن بعض الأطفال ينسون تفاصيل الانفصال مع الوقت،
لكنهم لا ينسون أبدًا كيف جعلهم ذلك يشعرون تجاه أنفسهم والحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot