في كثير من الأحيان، لا يدرك الإنسان قيمة الاستقرار إلا بعد أن يفقده.
فالاستقرار يبدو شيئًا عاديًا عندما يكون موجودًا:
راتب ثابت، أسعار مفهومة نسبيًا، قدرة على التخطيط، وإحساس بأن الغد يمكن توقعه إلى حد ما.
لكن بمجرد أن يهتز هذا الشعور، تتغير طريقة تفكير الناس بالكامل.
فعندما يشعر الإنسان أن المستقبل غير واضح، يبدأ سلوكه الاقتصادي في التغير تلقائيًا.
البعض يتوقف عن الإنفاق خوفًا مما هو قادم،
والبعض الآخر يندفع للشراء والتخزين قبل أي ارتفاعات جديدة،
بينما يحاول آخرون تحويل أموالهم بسرعة إلى أي شيء يشعرون أنه أكثر أمانًا.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:
الاقتصاد لا يتحرك بالأرقام فقط، بل بالمشاعر والثقة أيضًا.
فحتى لو كانت الموارد موجودة، فإن غياب الإحساس بالاستقرار يجعل الناس أكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للمخاطرة أو الاستثمار أو التخطيط الطويل.
ولهذا السبب، تعتبر الثقة واحدة من أهم الأصول الاقتصادية التي قد تمتلكها أي دولة أو مؤسسة أو حتى أي فرد.
الشخص الذي يشعر بالأمان المالي النسبي يستطيع أن يخطط، ويتعلم، ويستثمر في مستقبله بهدوء.
أما من يعيش في حالة قلق دائم، فغالبًا ينشغل فقط بمحاولة النجاة من الحاضر.
المشكلة أن فقدان الاستقرار لا يؤثر على المال فقط، بل على القرارات نفسها.
فالقرارات التي تُتخذ تحت الضغط والخوف تكون غالبًا قصيرة المدى، هدفها تقليل القلق اللحظي، لا بناء مستقبل أفضل.
ولهذا نرى أحيانًا أن المجتمعات المستقرة تتقدم بهدوء حتى لو لم تكن الأغنى،
بينما تعاني مجتمعات أخرى رغم امتلاكها موارد كبيرة، لأن القلق وعدم اليقين يستهلكان جزءًا ضخمًا من طاقة الناس.
ربما لا يكون الاستقرار أكثر الأشياء إثارة في الحياة،
لكنه غالبًا الأساس الذي يسمح لكل شيء آخر أن يُبنى فوقه.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق