قراءة إنسانية ونفسية في قوانين الأحوال الشخصية وحق الطفل في الأمان النفسي
د.سوهير الطويل استشاري نفسي واسري وتربوي
في كل مرة يتحول فيها الخلاف بين الأب والأم إلى معركة مفتوحة… هناك طفل يجلس في المنتصف، صامتًا، مرتبكًا، يحمل فوق قلبه الصغير ما لا يحتمله الكبار أنفسهم.
ورغم أن قوانين الأحوال الشخصية وُجدت لتنظيم الحقوق والواجبات بعد الانفصال أو الطلاق، إلا أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يظل حاضرًا دائمًا هو:
أين الطفل من كل هذا؟
فالقضية ليست فقط نفقة، أو رؤية، أو حضانة، أو استضافة…
القضية الأكبر هي:
كيف نحمي الصحة النفسية لطفل لم يختر الانفصال أصلًا؟
الطفل ليس ساحة لتصفية الحسابات
أخطر ما يحدث بعد الانفصال أن يتحول الطفل — دون وعي أحيانًا — إلى أداة ضغط، أو رسالة انتقام، أو وسيلة لإيذاء الطرف الآخر.
فنجد:
أبًا يمنع النفقة ليؤلم الأم… فيجوع الطفل نفسيًا قبل ماديًا.
أو أمًا تمنع التواصل مع الأب… فيشعر الطفل بأنه محروم من نصفه الآخر.
أو صراعًا مستمرًا أمام الأبناء، يجعل الطفل يعيش في حالة تهديد دائم وفقدان للأمان.
وفي النهاية…
الطفل هو من يدفع الثمن كله.
ليس لأن القوانين لا تكفي فقط، بل لأن بعض الكبار ينسون أن الطلاق بين الزوجين لا يعني طلاق الطفل من حقه في الحب والأمان والاستقرار.
الصحة النفسية للطفل ليست رفاهية
بعض الناس يتعاملون مع الأذى النفسي وكأنه أمر بسيط، بينما الدراسات النفسية والتربوية تؤكد أن الطفل الذي ينشأ وسط صراعات أسرية حادة قد يعاني من:
القلق المزمن.
اضطرابات النوم.
ضعف الثقة بالنفس.
العدوانية أو الانسحاب الاجتماعي.
صعوبات التعلم والتركيز.
الخوف من العلاقات مستقبلًا.
اضطرابات التعلق العاطفي.
الشعور بالذنب وكأنه سبب الانفصال.
وأحيانًا يكبر الطفل وهو يحمل داخله صورة مشوهة عن الحب والزواج والأسرة.
لهذا، حين نتحدث عن قوانين الأحوال الشخصية، لا يجب أن ننظر فقط إلى “حق الأب” أو “حق الأم”، بل إلى:
حق الطفل في بيئة نفسية آمنة.
القوانين تحتاج إلى رؤية نفسية وتربوية
أي قانون للأحوال الشخصية يجب أن يراعي أن الطفل ليس ملفًا قانونيًا، بل كائنًا إنسانيًا ينمو نفسيًا وعاطفيًا كل يوم.
فليس كل ما هو قانوني… إنساني بالضرورة.
قد يُنفَّذ حكم رؤية بشكل رسمي، لكن الطفل يعود بعدها محطمًا بسبب التوتر والصراعات والإهانات المتبادلة.
وقد يحصل أحد الطرفين على حق قانوني كامل، بينما يخسر الطفل إحساسه بالأمان والانتماء.
لذلك أصبح من الضروري أن تدخل الاعتبارات النفسية والتربوية بقوة داخل أي نقاش حول:
الحضانة.
الرؤية والاستضافة.
الانتقال بين البيوت.
أسلوب التعامل بين الأبوين.
منع التشهير أو التحريض أمام الطفل.
حماية الطفل من الاستقطاب العاطفي.
الطفل يحتاج والدين منفصلين… لا متحاربين
الانفصال قد يكون أحيانًا أفضل من بيت مليء بالعنف والكراهية.
لكن المشكلة ليست دائمًا في الطلاق نفسه… بل في الطريقة التي يُدار بها الطلاق.
فالطفل يستطيع التكيف مع انفصال محترم.
لكنه ينهار نفسيًا وسط الإهانة والتشويه والكراهية المستمرة.
الطفل لا يحتاج أن يرى أباه وأمه متزوجين بقدر ما يحتاج أن يراهما:
محترمين.
ناضجين.
قادرين على حماية مشاعره.
يضعانه فوق خلافاتهما الشخصية.
أخطر جملة يسمعها الطفل بعد الطلاق
“أبوكِ السبب.”
“أمكِ خربت البيت.”
“قول لأبوك…”
“قول لأمك…”
هنا يتحول الطفل إلى رسول حرب.
فيبدأ يعيش صراع ولاء داخلي: هل يحب أمه أم أباه؟
هل انحيازه لأحدهما خيانة للآخر؟
وهذا من أكثر أشكال العنف النفسي قسوة على الأطفال.
المطلوب ليس الانتصار… بل إنقاذ الطفل
في كثير من قضايا الأحوال الشخصية، يدخل الطرفان معركة “كسر عظم”، بينما يخرج الطفل منها مهزومًا نفسيًا.
ولهذا يجب أن تتغير الثقافة المجتمعية كلها، لا القوانين فقط.
يجب أن نفهم أن:
الأب الحقيقي لا يؤذي أبناءه ليعاقب أمهم.
والأم الحقيقية لا تستخدم أبناءها للانتقام من الأب.
والكرامة لا تُسترد بتحطيم نفسية طفل.
رسالة أخيرة
اتقوا الله في الأطفال.
فالطفل لا ينسى.
قد ينسى تفاصيل الخلاف…
لكنه لن ينسى شعوره بالخوف، أو الإهانة، أو أنه كان ورقة في حرب الكبار.
الأطفال ليسوا ملفات قضايا.
ولا أدوات ضغط.
ولا ساحات انتقام.
هم أرواح صغيرة تحتاج إلى أمان…
حتى لو انتهى الزواج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق