بقلم امل صالح سليم
اخصائية نفسية
لم تكن تعرف أن الموت لا يأخذ الأشخاص فقط… بل يأخذ معهم الأمان أيضًا.
مات والدها وهي صغيرة، فانهار البيت فوق رؤوسهم. الأم أصبحت أرملة ضعيفة، والبنات بلا سند. وفي الوقت الذي كان يجب أن يكون فيه العم ظهرًا وحماية… كان أول ذئب اقترب من الباب.
بدأ يطارد الأم بنظراته وكلامه، ثم تزوجها بحجة “الستر”. لكن البيت بعده لم يعد بيتًا… صار خوفًا دائمًا.
كانت البنت تكبر وهي ترى عينيه تتحركان بطريقة مقززة، تسمع خطواته فتغلق باب غرفتها، تضم أخواتها الصغيرات كأنها أمهم، وترتجف كل ليلة خوفًا من أن تمتد يده إليهن.
لم تجد من يحميها. لا أم استطاعت المواجهة، ولا مجتمع يسمع، ولا رجل وقف وقال: “حرام”.
فقررت الهروب… أي رجل وخلاص.
تزوجت بسرعة، كانت تظن أن الزواج باب نجاة، لكنه كان بابًا جديدًا للعذاب.
زوجها الأول كان نرجسيًا، أهانها، حطمها، ضربها، وكان كلما بكت يقول: “أنتِ لا تستحقين الحب أصلًا.”
أنجبت منه ثلاثة أطفال، وكانت تتحمل لأجلهم، حتى صار الضرب جزءًا من يومها، والإهانة لغة البيت.
طلقت نفسها من الجحيم بصعوبة، لكنها خرجت منه مكسورة.
ثم وقعت في يد رجل آخر… مدمن. في البداية كان حنونًا، ثم تحولت الحبوب والمخدرات إلى وحش يسكنه. عاد الضرب، عاد الذل، وعادت هي تسأل نفسها: “هل كُتب عليّ أن أعيش مهانة طوال عمري؟”
طلقت مرة أخرى، والناس لم ترَ وجعها… رأت فقط كلمة: “مطلقة”.
ثم جاء الثالث… رجل صاحب مصنع، كلامه مرتب، ووعوده كبيرة، أشعرها لأول مرة أن الحياة ربما تعطيها فرصة.
لكنه كان متزوجًا.
وفي يوم، وقفت زوجته على باب بيتها تصرخ وتفضحها أمام الجيران، كأنها هي الخاطفة، كأنها هي المذنبة الوحيدة، بينما الرجل اختبأ خلف صمته كالجبناء دائمًا.
بعدها بأشهر، تبدل حاله، خسر ماله، بدأت الديون تطارده، فهرب خارج البلاد… وتركها وحدها.
وحدها تمامًا.
هي… وثلاثة أطفال لا ذنب لهم، وحياة مليئة بالخذلان، وقلب صار يخاف حتى من الطبطبة.
لم تجد صديقة تسمعها، ولا أهلًا يحتويانها، ولا رجلًا اقترب منها دون طمع.
فدخلت إلى السوشال ميديا… ليس حبًا فيها، بل هروبًا من الصمت.
كانت تبحث عن شخص يسمعها فقط، عن كلمة: “أنا فاهم وجعك.”
لكن حتى هناك، كان أغلب من يقتربون منها يريدون شيئًا. بعضهم أراد جسدها، وبعضهم أراد استغلال ضعفها، وبعضهم كان يتسلى بحكايتها ثم يختفي.
هي لم تكن تبحث عن الحب بقدر ما كانت تبحث عن الأمان… وشتان بين الاثنين.
هناك نساء لا يفسدهن الزمن… بل يقتل داخلهن الإهمال المتكرر، والخذلان، وغياب اليد التي تنقذهن في الوقت المناسب.
ولو سألتها اليوم: “ماذا تريدين من الدنيا؟” لن تقول مالًا، ولا زواجًا، ولا رجلًا.
ستقول فقط: “عايزة أحس إني مش لوحدي.”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق