بقلم امل صالح سليم
اخصائية نفسية
نحن لا نعيش فقط أزمة أخلاق،
بل نعيش أزمة عدل… وأزمة فهم… وأزمة ضمير.
صرنا في زمنٍ تخاف فيه الفتاة من الزواج،
ليس لأنها تكره الحياة،
بل لأنها رأت نماذج أرهقتها قبل أن تبدأ.
رأت رجلًا يريد زوجة…
لكن بعقل طفل،
وبمسؤولية غائب،
وبأنانية تجعل المرأة أمًّا له بدل أن تكون شريكة حياته.
رأت من يرفع شعار القوامة وهو لا يعرف من القوامة إلا الأوامر،
ومن الدين إلا ما يوافق هواه،
فيستشهد بآيات التعدد…
وينسى آيات الرحمة والمودة والعدل والسكينة.
نسي البعض أن الله حين قال:
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾
أتبعها مباشرةً بشرطٍ يهتز له العدل:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾
لكن هناك من توقّف عند "مثنى وثلاث ورباع"،
وكأن المرأة خُلقت لتتحمل فقط،
وكأن قلبها بلا مشاعر،
وكرامتها بلا قيمة.
أيها الحضور…
كم فتاة فضّلت لقب "عانس"
على أن تدخل بيتًا تشعر فيه أنها سجينة لا زوجة؟
وكم مطلقة خافت من نظرات المجتمع أكثر من خوفها من الوحدة؟
مجتمع يغفر للرجل ألف علاقة،
لكنّه يُقيم محكمة كاملة للمرأة إن أخطأت مرة أو حاولت أن تبدأ من جديد.
الرجل إذا تزوّج بعد طلاقه قالوا:
"من حقه يعيش."
أما المرأة إذا فكرت أن تعيش؟
قالوا:
"كيف؟ وماذا سيقول الناس؟"
وكأن الرجل خُلق من نور…
والمرأة وحدها من تُحاسب على أنوثتها، واحتياجها، وضعفها، ورغبتها في الأمان.
ثم تأتي الأرملة…
تلك التي مات نصف روحها،
فبدل أن يحتضنها المجتمع،
يُطالبها أن تدفن قلبها وهي ما زالت حيّة.
يقولون لها:
"عيشي لأولادك."
وكأن الأم إذا تزوجت أصبحت خائنة لأبنائها!
وإن كان هناك ميراث أو مال…
بدأت الضغوط:
"لو تزوجتِ ستضيع الحقوق."
فيتحول حقها الطبيعي في الحياة
إلى تهمة تحتاج للدفاع.
أي ظلم هذا؟
ومن قال إن المرأة خُلقت لتعيش عمرها كله محرومة من السند والونس والاحتواء؟
المرأة ليست آلة صبر،
وليست جدارًا يتحمل الضربات حتى يسقط بصمت.
هي إنسانة…
تحتاج الحب كما يحتاجه الرجل،
وتحتاج الأمان كما يحتاجه الرجل،
ومن حقها أن تتزوج، وتبدأ من جديد، وتفرح، وتختار، وترفض… دون أن تُجلد بكلام الناس.
يا سادة…
الرجولة ليست صوتًا عاليًا،
ولا سلطةً تُفرض،
ولا ذكورةً بيولوجية فقط.
الرجولة مسؤولية،
وأمان،
واحترام،
وقدرة على الاحتواء،
وعدل قبل أي شيء.
أما المجتمع الذي يربي الرجل على أن كل شيء مباح له،
ويُربي المرأة على الخوف والعار والصمت…
فهو مجتمع يصنع التعاسة للطرفين.
وأخيرًا…
رفقًا بالنساء…
فخلف كل امرأة قوية،
قصة وجع لم تتحدث عنها.
ووراء كل امرأة صامتة،
معركة تخوضها وحدها كي تبقى واقفة.
لا تجعلوا المرأة تخاف من الزواج…
ولا من الطلاق…
ولا من الترمّل…
ولا من الحياة نفسها.
أعطوها حقها كإنسانة،
قبل أن تطلبوا منها أن تكون ملاكًا لا يخطئ ولا يتألم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق