كثير من الناس يعتقدون أن أخطر ما يهدد أي مجتمع هو الفقر أو قلة الموارد، لكن الحقيقة أن هناك خطرًا آخر قد يكون أشد تأثيرًا على المدى الطويل:
أن يفقد الناس ثقتهم في قيمة الجهد نفسه.
فعندما يرى الإنسان أن الاجتهاد لا يضمن فرصة عادلة، وأن الواسطة قد تتفوق على الكفاءة، وأن بعض الطرق السريعة تحقق نتائج أسرع من العمل الحقيقي، يبدأ تدريجيًا في فقدان الحافز.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن الاقتصاد لا يقوم فقط على الأموال والمشروعات، بل يقوم قبل ذلك على اقتناع الناس بأن التعب له مقابل، وأن التطور ممكن لمن يستحق.
وعندما تهتز هذه القناعة، تتغير طريقة تفكير المجتمع كله.
يصبح الهدف عند البعض ليس النجاح الحقيقي، بل مجرد الوصول بأي طريقة.
وتتحول فكرة “بناء الخبرة” إلى “البحث عن أقصر طريق”.
الأخطر أن هذا لا يؤثر على الأفراد فقط، بل ينعكس على جودة كل شيء:
العمل، والتعليم، والإدارة، وحتى الإنتاج نفسه.
فالشخص الذي لا يرى قيمة حقيقية للكفاءة، لن يستثمر وقتًا طويلًا في تطوير نفسه.
والمؤسسة التي لا تكافئ المجتهد، ستدفع المتميزين إلى الإحباط أو الرحيل.
ومع الوقت، يتحول المجتمع إلى بيئة تطرد الكفاءات بدل جذبها.
ولهذا نرى أحيانًا دولًا تملك موارد ضخمة لكنها لا تحقق تقدمًا حقيقيًا،
بينما تنجح دول أخرى بموارد أقل لأنها استطاعت الحفاظ على أهم شيء:
إيمان الناس بأن الجهد يمكن أن يصنع فرقًا.
فالإنسان يستطيع تحمّل التعب،
لكنه يصعب أن يتحمل الإحساس بأن هذا التعب بلا قيمة.
أخطر خسارة لأي مجتمع ليست خسارة المال،
بل خسارة الثقة في أن الاجتهاد ما زال يستحق.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق