د.سوهير الطويل
في لحظات الحرب، يتراجع صوت العقل أمام دويّ الانفجارات، وتتبدل أولويات الإنسان من البحث عن المعنى إلى البحث عن البقاء. لكن، بينما تُرصد الخسائر عادةً بالأرقام—عدد القتلى، حجم الدمار—تظل الخسارة الأكبر غير مرئية: ما يحدث داخل النفس البشرية. فالحرب، في جوهرها، ليست فقط صراعًا على الأرض، بل هي أيضًا صراع داخل الإنسان نفسه، يعيد تشكيل مشاعره، إدراكه، وعلاقته بالحياة.
تُعدّ الاستجابة النفسية الأولى للحرب هي الخوف، لكنه ليس خوفًا عابرًا أو مرتبطًا بموقف محدد، بل خوف ممتد يتحول إلى حالة دائمة من الترقب. يعيش الإنسان في حالة استنفار مستمر، حيث يصبح كل صوت مفاجئ تهديدًا، وكل لحظة هدوء احتمالًا لانفجار قادم. هذا النمط من العيش يرهق الجهاز العصبي، ويجعل الإنسان عاجزًا عن استعادة إحساسه الطبيعي بالأمان، حتى في لحظات السكون.
ومع تصاعد العنف، تدخل النفس مرحلة أعمق وأكثر تعقيدًا: الصدمة النفسية. حين يعجز العقل عن استيعاب حجم الفقد أو قسوة المشهد، يلجأ إلى آليات دفاعية قد تبدو غريبة، مثل التبلد العاطفي أو الشعور بالانفصال عن الواقع. هنا، لا يكون غياب المشاعر دليلاً على القسوة، بل على العكس، هو دليل على أن الألم تجاوز حدود الاحتمال. إنها محاولة لا واعية لحماية النفس من الانهيار.
ولا تقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ يتداخل الحزن مع الصدمة ليشكل ما يُعرف بالحزن المعقّد. في الحروب، لا يُمنح الإنسان رفاهية الحداد، لأن الفقد يتكرر، والخسائر تتوالى دون توقف. يفقد الإنسان أحباءه، منزله، تاريخه الشخصي، وأحيانًا صورته عن ذاته. ومع غياب الوقت الكافي لمعالجة هذا الفقد، يتراكم الحزن ويتحول إلى عبء نفسي ثقيل يصعب تجاوزه.
ومن بين أكثر المشاعر إرباكًا التي تظهر في سياق الحرب، يبرز ما يُعرف بذنب النجاة. قد يشعر الناجون بثقل داخلي لأنهم ما زالوا أحياء، بينما فقد آخرون حياتهم. يتساءل الإنسان عن استحقاقه للبقاء، ويعيد تقييم قراراته وأفعاله في ضوء ما حدث. هذا الشعور، رغم قسوته، يعكس عمق الارتباط الإنساني بالآخرين، لكنه قد يتحول إلى عبء يعيق التعافي إذا لم يُفهم ويُحتوى.
ومع استمرار التعرض للألم، قد تلجأ النفس إلى ما يمكن وصفه بالتخدير العاطفي. يصبح الإنسان أقل تفاعلًا، أقل تأثرًا، وكأنه انسحب جزئيًا من التجربة. هذه الحالة ليست ضعفًا، بل استراتيجية بقاء، لكنها تحمل خطرًا طويل المدى يتمثل في فقدان القدرة على استعادة الإحساس بالحياة بعد انتهاء الحرب.
ورغم هذه الصورة القاتمة، يبقى الأمل عنصرًا حاضرًا في سيكولوجية الحرب. ليس الأمل هنا فكرة رومانسية، بل ضرورة نفسية. يتمسك الإنسان بأي معنى يمنحه القدرة على الاستمرار: حماية من يحب، انتظار نهاية الألم، أو حتى مجرد الرغبة في النجاة. هذا الأمل، مهما كان بسيطًا، يشكل خط الدفاع الأخير للنفس في مواجهة الانهيار.
لكن الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال. إذ تظل آثارها ممتدة في شكل اضطرابات نفسية قد ترافق الإنسان لسنوات، مثل القلق المزمن، الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة. بل إن تأثيراتها قد تتجاوز الجيل الذي عاشها، لتنتقل إلى الأجيال التالية عبر أنماط التربية والمشاعر غير المعالجة، فيما يُعرف بالصدمة العابرة للأجيال.
في النهاية، تكشف سيكولوجية الحرب عن حقيقة معقدة: أن الإنسان كائن هش أمام العنف، لكنه يمتلك قدرة استثنائية على التكيف. وبين الانكسار والصمود، تتشكل تجربة إنسانية عميقة، تطرح سؤالًا يتجاوز حدود الحرب نفسها: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته في عالم يدفعه باستمرار نحو فقدانها؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق