كتبت هذا الموضوع أ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
في رحلة التربية، يقف كثير من الآباء على طرفي نقيض: حرص مفرط يُقيّد، أو إسراف يُفسد. وبين هذا وذاك، تضيع البوصلة، ويكبر الأبناء في بيئة غير متوازنة، إما مثقلة بالخوف، أو غارقة في التسيّب.
الحرص في أصله قيمة نبيلة، فهو نابع من الحب والخوف على الأبناء. لكن حين يتحول إلى مراقبة دائمة، وقلق زائد، ومنع لكل تجربة، فإنه يصنع طفلًا مترددًا، يخشى الخطأ، ويخاف اتخاذ القرار. يكبر هذا الطفل وهو ينتظر من يوجهه في كل خطوة، لأنه لم يُمنح فرصة أن يخطئ ويتعلم.
على الجانب الآخر، يأتي الإسراف في الحرية أو التدليل، حيث تُرفع الحدود تمامًا، ويُترك الطفل يفعل ما يشاء دون توجيه أو تقويم. قد يبدو هذا الأسلوب مريحًا مؤقتًا، لكنه يزرع في الطفل ضعف الانضباط، وقلة تحمل المسؤولية، وصعوبة مواجهة الواقع لاحقًا، حيث لا قوانين مرنة كما في البيت.
المشكلة ليست في الحرص ذاته، ولا في منح الحرية، بل في غياب التوازن بينهما. فالتربية الواعية تدرك أن الأبناء يحتاجون إلى مساحة آمنة يجربون فيها، لكن داخل إطار واضح من القيم والضوابط. يحتاجون إلى من يرشدهم لا من يتحكم فيهم، وإلى من يثق بهم لا من يتركهم بلا توجيه.
الحرص الحقيقي لا يعني أن تمهد الطريق لطفلك دائمًا، بل أن تعلّمه كيف يسير فيه. والإسراف الحقيقي ليس فقط في المال، بل في التنازل عن دورك التربوي بحجة الراحة أو الانشغال. كلاهما يؤدي في النهاية إلى نفس النتيجة: جيل غير مستعد لمواجهة الحياة.
التوازن في التربية يشبه السير على خيط دقيق: قليل من الشد قد يقطع، وكثير من الارتخاء قد يُسقط. لذلك يحتاج الأبوان إلى وعي دائم، ومراجعة مستمرة لأساليبهم، وسؤال صادق: هل نُربي أبناءنا للحياة، أم نحاول فقط حمايتهم منها؟
بين الحرص والإسراف، لا يحتاج الأبناء إلى الكمال… بل إلى الاتزان. فجيلٌ يُربّى على التوازن، هو جيل قادر على أن يعيش بثقة، ويتحمل المسؤولية، ويصنع مستقبله بوعي. فلا تُفرط في الحماية فتُضعف، ولا تُفرط في التسيّب فتُضيّع… بل كن الميزان الذي يستقيم به الطريق.الأبناء لا تضيعهم قسوة الحياة بقدر ما يضيعهم خلل التربية. وبين حرصٍ يخنق، وإسرافٍ يُفسد، تتشكل ملامح جيلٍ إما عاجز عن المواجهة أو غارق في الفوضى. لذلك فالمسألة ليست أن نحب أبناءنا أكثر… بل أن نُحسن تربيتهم أكثر.
التوازن ليس خيارًا تربويًا ثانويًا، بل هو الفارق الحاسم بين جيلٍ يُقاد، وجيلٍ يقود. فإما أن نمنح أبناءنا جذورًا تثبتهم، وأجنحةً تُطلقهم… أو نتركهم يتأرجحون بين ضعفٍ لا يحميهم، وحريةٍ لا تهديهم.
فاختر موقعك بعناية:
هل ستكون سببًا في إعداد إنسانٍ قادر على الحياة… أم شاهدًا على ضياعه؟
جزاكِ الله خيرا أ. هبة
ردحذف