كتبت عاشقة الوطن سحر غانم
في مجتمعاتنا العربية، يُعدّ “العشم” قيمة إنسانية جميلة تعكس الثقة والقرب والمودة بين الناس. هو مساحة آمنة نضع فيها توقعاتنا لأننا نؤمن بالآخرين ونحسن الظن بهم.
لكن ماذا يحدث عندما يتجاوز العشم حدّه؟ وماذا لو وُضع في غير مكانه؟
العشم الزائد عن حدّه يتحول من جسرٍ للتقارب إلى عبءٍ على العلاقات. فعندما نُحمّل الآخرين توقعات لم يلتزموا بها صراحة، أو نفترض أنهم سيتصرفون كما نريد دون اتفاق واضح، نصنع لأنفسنا صورة ذهنية قد لا تتطابق مع الواقع. وهنا تبدأ الصدمة.
الصدمة في العشم لا تأتي دائمًا من سوء نية، بل أحيانًا من اختلاف الطباع والأولويات والقدرة على العطاء. فليس كل من نُحسن به الظن قادرًا على تلبية توقعاتنا، وليس كل تقصير خيانة. بعض الناس ببساطة لا يرون الأمور بالمنظور ذاته.
المشكلة لا تكمن في العشم ذاته، بل في غياب الحدود والوضوح. حين يتحول العشم إلى افتراض دائم، وإلى التزام غير مُعلن، يصبح خطرًا صامتًا يهدد العلاقات. فالاعتماد المفرط على “هو أكيد فاهمني” قد يقود إلى خيبة أمل عميقة.
من المهم أن نُفرّق بين الثقة والتوقع، وبين المحبة والافتراض. العلاقات الصحية تقوم على التواصل الصريح، لا على قراءة الأفكار. وعندما نُعبّر عن احتياجاتنا بوضوح، نقلل مساحة سوء الفهم ونحمي أنفسنا من الصدمات.
كما أن التوازن مطلوب: لا إفراط في العشم حتى لا نُرهق الآخرين، ولا انعدام له حتى لا نعيش في جفاء دائم.
الاعتدال هو الحل؛ أن نعطي الثقة، لكن دون أن نرهن سعادتنا باستجابة الآخرين.
في النهاية، العشم قيمة نبيلة إذا وُضع في مكانه الصحيح. أما إذا أُسيء تقديره، فقد يتحول إلى درسٍ قاسٍ يعلّمنا أن نُحسن الاختيار، وأن نُدرك أن القلوب ليست سواء، وأن التوقعات غير المعلنة هي أسرع طريق إلى الخيبة.
فالعلاقات لا تُقاس بقدر ما نتمنى، بل بقدر ما نتفاهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق