كتبت هذا المقال: أ/ هبة رأفت.
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
في ظل تعدد التخصصات وتشعب مجالات العمل، يقف الطالب حائرًا أمام سؤال محوري: هل أبني أهدافي على المواد التي أحبها، أم على المواد التي أحقق فيها إنجازًا؟ والحقيقة أن هذا التساؤل يعكس وعيًا مهمًا، لأن الإجابة عليه لا تحدد فقط مسار الدراسة، بل ترسم ملامح المستقبل المهني.
لا شك أن الميل إلى المواد التي يحبها الطالب يمنحه دافعًا قويًا للاستمرار والتفوق، فالشغف يولد الطاقة، ويجعل عملية التعلم أكثر متعة وعمقًا. الطالب الذي يدرس ما يحب غالبًا ما يكون أكثر إبداعًا وقدرة على الابتكار، لأنه لا يشعر أن ما يفعله عبء، بل يراه فرصة للتعبير عن ذاته. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الشغف وحده قد لا يكون كافيًا، خاصة إذا لم يكن مدعومًا بقدرات حقيقية أو مهارات متطورة.
في المقابل، فإن بناء الأهداف على المواد التي ينجح فيها الطالب ويحقق فيها نتائج مرتفعة يعزز ثقته بنفسه، ويفتح له أبوابًا واضحة للتميز. فالإنجاز دليل على وجود مهارة يمكن تطويرها، وهو مؤشر عملي على إمكانية النجاح في هذا المجال. لكن المشكلة تظهر عندما يكون هذا النجاح خاليًا من الرغبة الداخلية، فيتحول الأمر إلى مجرد أداء واجب، مما قد يؤدي إلى فقدان الحماس مع مرور الوقت.
من هنا، يتضح أن الطريق الأمثل لا يكمن في الاختيار بين الشغف أو الإنجاز، بل في تحقيق التوازن بينهما. فالطالب الناجح هو من يبحث عن نقطة الالتقاء بين ما يحب وما يجيد، ثم يدعم ذلك برؤية واقعية لاحتياجات سوق العمل. هذا التوازن يضمن له الاستمرار بشغف، والتقدم بكفاءة، والوصول إلى أهداف ذات قيمة حقيقية.الشغف وحده لا يكفي… والمهارة وحدها لا تكفي
يعتقد كثير من الطلاب أن النجاح يتحقق بمجرد اتباع ما يحبونه، بينما يرى آخرون أن التفوق يكمن فقط في استثمار ما يجيدونه. لكن الحقيقة الأعمق أن كِلا الطريقين، إذا سلك أحدهما منفردًا، قد لا يؤدي إلى النجاح المنشود.
فالشغف يمنح الإنسان طاقة الاستمرار، ويجعله أكثر استعدادًا لبذل الجهد والتضحية، لكنه إذا لم يُدعَّم بمهارة حقيقية، يظل مجرد رغبة غير مكتملة. كم من شخص أحب مجالًا معينًا، لكنه لم يعمل على تطوير نفسه فيه، فتوقف عند حدود التمني دون إنجاز فعلي.
وفي المقابل، فإن المهارة تفتح أبواب التميز وتُحقق نتائج ملموسة، لكنها إن خلت من الشغف، تحولت إلى عبء ثقيل. فالإنسان قد ينجح فيما يُجيد، لكنه لا يشعر بالرضا، مما يؤثر على استمراريته وقدرته على الإبداع مع مرور الوقت.
لذلك، فإن التوازن هو الأساس. الشغف يحدد الاتجاه، والمهارة تدعم الطريق. وعندما يجتمع الاثنان، يصبح الهدف أكثر وضوحًا، ويصبح النجاح أكثر استقرارًا وعمقًا.
وفي النهاية، لا تسعَ فقط لما تحب، ولا تكتفِ بما تُجيد، بل اجتهد لتجعل ما تحب مجالًا تتقنه، وما تتقنه طريقًا تحبه… فهناك فقط يبدأ النجاح الحقيقي.
يمكن القول إن بناء الأهداف ليس قرارًا عشوائيًا، بل هو عملية واعية تتطلب فهم النفس واكتشاف القدرات وتحليل الفرص. فإذا استطاع الطالب أن يجمع بين شغفه ومهاراته، ويُحسن توجيههما نحو مستقبل واضح، فإنه بذلك يضع قدمه على أول طريق النجاح الحقيقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق