في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون التعليم مساحة لبناء الإنسان وتنمية قدراته، نجد أنفسنا أمام منظومة تُحمّل الطالب عبءًا متزايدًا من حيث الوقت والجهد، دون أن يقابله تطوير حقيقي في المحتوى أو أساليب التدريس.
أحد أبرز الإشكاليات التي ظهرت مؤخرًا هو ما يتعلق بزيادة عدد أيام الدراسة إلى 181 يومًا، وهو رقم كبير نسبيًا، خاصة إذا لم يصاحبه تغيير جوهري في طبيعة المناهج أو طرق التقييم. فالزيادة هنا لم تُترجم إلى جودة أعلى بقدر ما تحولت إلى امتداد زمني لنفس المنظومة الحالية، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا القرار وأثره الفعلي على الطالب.
من النقاط الأكثر حساسية في هذا السياق، هو نظام الامتحانات المكثفة التي تمتد لقرابة 22 يومًا متواصلة. هذا الامتداد الزمني الطويل لا يمر بشكل عابر على الأطفال، بل يترك أثرًا واضحًا على حالتهم النفسية والتركيز والقدرة على الاستيعاب.
الطفل في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى توازن بين التعلم والراحة، بينما النظام الحالي يفرض حالة مستمرة من التوتر والضغط، وكأن فترة الامتحانات أصبحت اختبارًا للتحمل النفسي بقدر ما هي اختبار للتحصيل العلمي.
المشكلة لا تتوقف عند طول العام الدراسي أو مدة الامتحانات، بل تمتد إلى جوهر العملية التعليمية نفسها. فزيادة الأيام الدراسية لم تُقابلها إعادة هيكلة للمناهج أو تطوير في أساليب الشرح والتقييم.
بمعنى آخر، يتم تقديم نفس المحتوى تقريبًا، بنفس الطريقة، ولكن على مدى زمني أطول. وهنا يصبح السؤال: هل نحن نطور التعليم فعليًا، أم نعيد توزيع نفس العبء على فترة أطول فقط؟
أي إصلاح تعليمي حقيقي يجب أن يحقق معادلة واضحة: تقليل الضغط، تحسين الفهم، ورفع جودة المخرجات. لكن ما يحدث على أرض الواقع يشير إلى فجوة بين الهدف المعلن والنتيجة الفعلية.
فبدلًا من التركيز على تطوير مهارات التفكير النقدي، وربط المناهج بالحياة العملية، ما زال التركيز منصبًا بشكل كبير على الكمّ، سواء في عدد الأيام أو حجم المعلومات المطلوب استيعابها.
في عالم يتغير بسرعة، لم يعد مقبولًا أن يظل التعليم قائمًا على الحفظ والاسترجاع فقط. الطلاب اليوم يحتاجون إلى مهارات مختلفة: التفكير، التحليل، الإبداع، والعمل الجماعي.
لكن استمرار نفس الأدوات التقليدية داخل إطار زمني أطول لا يحقق هذا التحول، بل قد يزيد من شعور الطالب بالملل والضغط، ويؤثر سلبًا على دافعيته للتعلم.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق