الثلاثاء، 7 أبريل 2026

صفحات من الماضي

عندما كنتُ طفلةً في العاشرة، كنتُ أعيش طفولتي كما هي: شقيّة، حرة، أضحك بصوتٍ عالٍ، أرتدي الجينز، أترك شعري الكيرلي دون تصفيف، وألعب الرياضة كالأولاد دون أن أشعر أن في الأمر ذنبًا أو نقصًا.
كانت ابنةُ عمّ أبي، حين تزورنا مع بناتها، تهمس لأمي بابتسامةٍ متعجبة:
«بنتك مسترجلة!»
فتضحك أمي بثقةٍ وتقول:
«خلّفتُ ولدًا واحدًا وخمس بنات خلِّيها ولد، ولد.
ضحكةُ أمي كانت درعًا، وحريتي كانت عالمي.
مرّت السنوات. كبرنا جميعًا، لكننا لم نكبر بالطريقة نفسها.
كبرتُ أنا، وتغيّرت. لا لأن أحدًا أرغمني، بل لأن الحياة تهذّبنا إن أردنا. أصبحتُ فتاةً أخرى: شعرٌ مصفّف برقة، حضورٌ واثق، وأناقةٌ لافتة لا تُستعار بل تُولد من الداخل.
وفي المقابل، تزوجت بناتُ ابنة عم أبي، وجاءوا بعد عشر سنوات إلى بيتنا ليُعرّفوا أبي على أزواجهن، بوصفه كبير العائلة.
كان اللقاء كاشفًا.
هنّ جميعًا يرتدين النقاب، لا عن قناعةٍ نابعة من معرفة، بل عن طاعةٍ عمياء. لم يكن الجمال سببًا، ولا القبح دافعًا، بل شخصٌ واحد يقف في المنتصف: الشيخ راضي.
رجلٌ متشدّد، ملتحٍ، متسلّح بالشعارات، صانعُ القرار في كل ما يخصهن.
إحداهن، حين صافحتني، قالت بحدّة:
«اذهبي وارتدي الحجاب مثلنا. الشيخ رأضي ليشوفك 
سألتها بهدوءٍ ساخر:
«ومن الشيخ راضي؟»
قالت بفخرٍ غريب:
«زوج أختي.»
فأجبت بثقةٍ لا تعرف المواربة:
«شيخ على نفسه. أنا حرّة، وابنة هذا البيت، ولا يهمني راضي أو غير راضي.»
كان حديثهن عنه أقرب إلى التقديس، كأنه معصوم من الخطأ. تجنبتُ اللقاء به، وحين شعرت بوجوده، صعدتُ إلى الرووف جاردن هربًا من احتكاكٍ لا أريده.
لكن القدر كان له رأيٌ آخر.
جاءني حديثٌ طويل مع إحدى قريباتي عن زواجها التقليدي، وعن محاولاتها إقناعي بالنقاب، ثم أخبرتني ببساطةٍ مقلقة أن الشيخ راضي طلب أن يتحدث معي.
قلت بوضوح:
«أنا غير مقتنعة بالنقاب. قد أرتدي الحجاب يومًا، لكن النقاب لا. النقاب  قناعة، لا وصاية.»
جلستُ بعيدًا. وفجأة، جاء هو. وحده.
والأغرب أن زوجته تركته معي دون تردد.
توقعتُ موعظة. توقعتُ شعارات. توقعتُ حديثًا عن الحلال والحرام.
لكن ما حدث كان صادمًا.
قال لي:
«أنتِ جميلة جدًا.»
قلت بثبات:
«أعرف.»
ثم سألني عن رأيي في التعدد.
قلت:
وما الذي يجعلني أوفق علي التعدد أنا الملكه والباقي جواري
كان حواري حادًا، وصراحتي جارحة، ونفوري واضحًا. لكنه لم يتراجع. لم يتحدث عن نقاب ولا حجاب، بل كان يعرض نفسه، مغلفًا الرغبة برداء الدين.
أنهيتُ الحوار ببرود:
«الأفضل نتكلم ومعنا زوجتك.»
لكنه لم يهتم.
وعندما التقيتُ زوجته لاحقًا، سألتني ببراءةٍ مؤلمة:
«إيه رأيك في الشيخ راضي؟»
نظرتُ إليها بدهشةٍ ممزوجة بالشفقة. كانت تظن أن زوجها كان يدعوني للحجاب والعودة الي الدين ولم تعلم أنه كان يعرض نفسه بل و يتغزل بي 
حين أخبرتُ أبي فقط عنه  قال جملته التي اختصرت كل شيء:
«ده شيخ تايواني مدفون نفاق.
ومرت السنوات.
وأنجب الشيخ راضي خمسة أبناء، ثم تزوج امرأةً أخرى ثرية، واشترطت عليه أن يطلّق زوجته الأولى. ففعل.
رمى زوجته وأبناءه، دون أن يرفّ له جفن، ودون أن يتذكر شرعًا أو دينًا أو عدلًا.
وهنا فهمت الدرس كاملًا.
الدين الذي لا يُنصف المرأة، ليس دين الله.
والنقاب الذي يحجب العقل، ليس عبادة.
ارتدي النقاب  إن اقتنعتِ،
لكن ارفعي حجاب العقل أولًا
لأن الله لم يطلب منا أن نُغلق عيوننا، بل قال:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾
فالعقل عبادة،
والوعي فريضة،
ومن لا يرى بعقله لن يرى بنقابه.
الشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot