الأربعاء، 1 أبريل 2026

الفارق بين الموت والحياة ليس نبضًا فقط، بل إحساس

منذ فترة، حكت لي صديقة قصةً ما زالت تؤرقني.
رجلٌ أبٌ لأربع بنات، أخبر الأطباء أسرته أن ساعاته في الدنيا باتت معدودة. لحظة ثقيلة، تُختصر فيها الأعمار في أنفاس متقطعة، وتُختبر فيها القلوب قبل الأجساد
طلبت إحدى بناته أن تجلس إلى جواره ليلًا لتطمئن عليه.
لكن حين داهمته سكرات الموت، لم تمسك يده، ولم تهمس في أذنه بالشهادة، ولم تغالب دموعها لتخفف عنه.
مدّت يدها إلى الهاتف.
وجّهت الكاميرا إلى وجه أبيها وهو يصارع الرحيل.
وبعد دقائق  أفاق الأب قليلًا، فرأى العدسة مصوبة إليه. فهم.
فدعا عليها أن يفضحها الله كما فضحته في ضعفه.
ثم خرج السر الإلهي وخرجت الروح معه.
هنا فقط يتجلى السؤال:
متى صرنا نُوثّق الموت بدل أن نُواسِي المحتضر؟
متى أصبح “الترند” أعلى من الرحمة؟
تتكرر الصورة بوجوه مختلفة.
في جريمة نيرة أشرف، ركض الناس خلف المشهد لا لينقذوا، بل ليصوّروا.
شاب يلوّح بسكين، فتاة في مقتبل العمر تستغيث، والهواتف ترتفع في الهواء كأنها شواهد قبور مبكرة.
لحظة كان يمكن أن تُختصر في شجاعة إنقاذ، فصارت أرشيفًا دامغًا للفرجة.
وفي حادثة الإسماعيلية التي صدمت القلوب، حين ذُبح شاب أمام المارة، لم تتسابق الأقدام لإيقاف الجريمة بقدر ما تسابقت الأيدي لالتقاط الفيديو.
من الشرفات، من الأرصفة، من خلف الزجاج
الكاميرا حاضرة.
والإنسان غائب.
الفارق بين الموت والحياة ليس مجرد نبضٍ يتوقف.
الفارق أن تكون حيًّا بقلبك، لا بعدسة هاتفك.
أن تبكي بدل أن تبث.
أن تمتد يدك للإنقاذ بدل أن تمتد للتصوير.
لسنا مطالبين أن نكون أبطالاً خارقين،
لكننا مطالبون ألا نكون متفرجين محترفين.
حين يتحول الألم إلى محتوى،
وتتحول الجريمة إلى “مشاهدة عالية
ويُختصر الضمير في زر تسجيل
فالمشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في قسوةٍ تسللت إلى القلوب حتى جفّ الشعور.
نحن لا نخسر حين لا نصوّر.
لكننا نخسر إنسانيتنا حين نرى الموت حدثًا مثيرًا لا مصيبة تستوجب الرجفة.
الحياة ليست مشهدًا
والموت ليس مادة للنشر.
وبينهما مساحة اسمها الرحمه أن ضاعت، ضاع كل شيء
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot