امل صالح سليم
اخصائية نفسية وادمان
يُعد اضطراب الشخصية الحدية من الاضطرابات النفسية المعقدة التي تمس جوهر الشعور بالذات والعلاقة بالآخرين. لا يعيش المصاب به حياة عاطفية مستقرة، بل يتنقل بين مشاعر متناقضة بشكل حاد وسريع، فيحب باندفاع ويكره بخوف، ويقترب بشدة ثم يبتعد فجأة.
أبرز ما يميز هذه الشخصية هو الخوف العميق من الهجر أو الرفض، حتى وإن لم يكن هناك دليل حقيقي عليه. هذا الخوف يدفعه أحيانًا إلى سلوكيات اندفاعية أو ردود فعل مبالغ فيها، فقط لتجنب الشعور بالوحدة أو الفقد. كما يعاني من اضطراب في صورة الذات، فلا يعرف من هو حقًا، وتتغير نظرته لنفسه باستمرار.
العلاقات العاطفية لدى هذه الشخصية تكون شديدة ومضطربة؛ يبدأ التعلق بشكل مبالغ فيه، ثم يتحول فجأة إلى شك وغضب وانسحاب. هذا التذبذب لا يعكس تقلبًا سطحيًا، بل صراعًا داخليًا مؤلمًا بين الحاجة للحب والخوف منه.
يعاني المصاب أيضًا من فراغ داخلي مستمر، وكأن هناك شيئًا ناقصًا لا يمكن تفسيره أو ملؤه. هذا الشعور قد يقوده إلى سلوكيات خطرة مثل إيذاء النفس أو التهور، ليس بدافع الرغبة في الألم، بل للهروب من ألم أشد داخلي.
على المستوى الانفعالي، تكون المشاعر حادة وسريعة التغير؛ الغضب قد ينفجر لأسباب بسيطة، والحزن قد يصل إلى حد اليأس. كما قد تظهر نوبات من القلق الشديد أو الشعور بعدم الواقعية، خاصة في أوقات الضغط.
يرتبط هذا الاضطراب غالبًا بتجارب مبكرة مؤلمة، مثل الإهمال العاطفي أو فقدان الأمان في الطفولة، مما يؤثر على طريقة تكوين العلاقات لاحقًا. ومع ذلك، فهو ليس حكمًا نهائيًا، بل حالة يمكن فهمها والتعامل معها.
العلاج يعتمد على الدعم النفسي المستمر، وتعليم مهارات تنظيم المشاعر، وبناء علاقات أكثر استقرارًا. ومع الوقت، يمكن للمصاب أن يتعلم كيف يفهم نفسه، ويهدئ صراعاته الداخلية، ويعيش حياة أكثر توازنًا.
اضطراب الشخصية الحدية ليس ضعفًا، بل معاناة عميقة تحتاج إلى فهم واحتواء، لا حكم وإدانة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق