محرر صحفى
امل صالح سليم
مأساة التعليم المفتوح في
مصر ليست مجرد تفاصيل إدارية عابرة، بل تجربة قاسية يعيشها آلاف الدارسين الذين دخلوا هذا النظام بحثًا عن فرصة ثانية، فإذا بهم يواجهون طريقًا أكثر تعقيدًا مما توقعوا.
منذ اللحظة الأولى للتقديم، يبدأ الطالب رحلة مرهقة بين الأوراق المطلوبة والإجراءات غير الواضحة، حيث تتغير الشروط أحيانًا دون إعلان كافٍ، ويجد المتقدم نفسه مضطرًا للتنقل بين المكاتب بحثًا عن إجابة بسيطة. هذا الغموض لا يعكس فقط ضعف التنظيم، بل يخلق حالة من القلق وعدم الثقة لدى الطالب الذي يفترض أنه مقبل على مسار تعليمي منظم.
أما من الناحية المادية، فرغم أن التعليم المفتوح يُسوَّق له كبديل مرن، إلا أن تكلفته قد تكون عبئًا حقيقيًا. فالمصاريف الدراسية، إلى جانب الكتب والدورات والدروس الخارجية، تجعل الطالب في صراع دائم بين استكمال تعليمه وتحمل أعباء الحياة اليومية، خاصة أن كثيرًا من الدارسين يكونون عاملين أو يعولون أسرًا.
وعلى مستوى العملية التعليمية، تظهر واحدة من أكبر الأزمات: ضعف الشرح الأكاديمي. فغياب التفاعل الحقيقي بين الطالب وأعضاء هيئة التدريس، والاعتماد على مذكرات مختصرة أو محاضرات غير كافية، يجعل الفهم السليم للمحتوى أمرًا صعبًا. فيتحول التعليم من تجربة معرفية إلى مجرد محاولة لاجتياز الامتحان، دون بناء حقيقي للمهارات أو الفهم.
ولا يمكن تجاهل الجانب الإنساني داخل المنظومة، حيث يشتكي كثير من الطلاب من أسلوب التعامل داخل الإدارات. فبدلًا من الدعم والتوجيه، يواجه البعض جفاءً أو تعقيدًا متعمدًا للإجراءات، وكأن الطالب عبء إضافي وليس محور العملية التعليمية. هذا السلوك يترك أثرًا نفسيًا سلبيًا، ويزيد من شعور الاغتراب داخل المؤسسة التعليمية.
لكن تبقى الأزمة الأكبر بعد التخرج، حين يصطدم الخريج بواقع "فجوة الاعتراف". فعدم وضوح موقف الشهادة في بعض الجهات، وصعوبة القيد في النقابات المهنية، خاصة في التخصصات الحساسة مثل الحقوق، يجعل سنوات الدراسة محل تساؤل. وهنا يتحول الحلم إلى قلق دائم حول المستقبل المهني، ويشعر الخريج أن جهده لم يُقدَّر بالشكل الذي يستحقه.
ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن التعليم المفتوح كان ولا يزال باب أمل لكثيرين حُرموا من التعليم التقليدي. لكن هذا الباب يحتاج إلى إعادة تنظيم حقيقية، تبدأ بالوضوح في القوانين، وتحسين جودة التدريس، وضمان معاملة إنسانية تليق بالدارسين، وتنتهي باعتراف واضح وقاطع بشهاداتهم.
لأن التعليم، في جوهره، ليس مجرد شهادة… بل حق، وكرامة، ومستقبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق