الخميس، 12 مارس 2026

العالم لا تحكمه المعادلات !!!!

بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
قبل لحظات شعرت أن الاقتصاد العالمي يشبه مسرحًا غريبًا كنت أشاهد خبراء الاقتصاد على شاشات الأخبار يشرحون بهدوء كيف يمكن أن يتراجع النمو العالمي الذي يدور عادة حول ثلاثة في المائة ليقترب من واحد في المائة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية الحالية كانوا يتحدثون عن ارتفاع تكاليف التأمين البحري وعن اضطراب سلاسل الإمداد وعن أن أقساط التأمين في بعض المسارات الخطرة ارتفعت بأكثر من أربعين في المائة مما جعل بعض الشحنات تكلف ضعف أو ثلاثة أضعاف ما كانت تكلفه قبل أشهر قليلة وكان المحللون يناقشون كيف أن ما يقرب من عشرين في المائة من التجارة العالمية يمر عبر ممرات بحرية حساسة يمكن أن تتعرض للتعطيل بسبب النزاعات والحروب وكانت كل هذه التحليلات تقدم بلغة دقيقة مليئة بالأرقام والرسوم البيانية والنماذج الاقتصادية وكأن العالم معادلة معقدة يحاول الخبراء حلها
ثم تغيرت القناة فجأة وانتقل المشهد إلى مكان آخر تمامًا تجمع سياسي في الولايات المتحدة رئيس يتحدث بثقة عن تريليونات الدولارات التي تدفقت إلى بلاده وعن الطاقة وعن النفط والفحم وعن السفن التي دمرت في الحروب وعن الموارد التي يمكن تحويلها إلى مكاسب في تلك اللحظة تغيرت اللغة بالكامل لم يعد هناك حديث عن منحنيات العرض والطلب أو تكاليف التأمين أو توقعات النمو العالمي بقيت لغة واحدة فقط لغة القوة
وفي تلك اللحظة ظهر شيء أعمق بكثير بنية العالم الحديث نفسها هناك حواران يحدثان في الوقت نفسه الحوار الأول يخص الاقتصاديين والمحللين الذين يحاولون تفسير ما يحدث من خلال البيانات والاحتمالات والتوقعات فهم يقيسون النمو العالمي ومخاطر النقل البحري وتقلبات الطاقة وتدفقات التجارة الدولية ويحاولون فهم النتائج
لكن هناك حوارًا آخر يحدث في العمق وهو الحوار الذي تغيرت طبيعته في العالم الحديث في الماضي كانت السياسة هي المسرح الذي تتحرك من خلاله المصالح الاقتصادية فالقوة الاقتصادية كانت تحتاج إلى غطاء سياسي وإلى شرعية ديمقراطية وخطاب يبرر القرارات أمام الشعوب
أما اليوم فقد بدأ هذا التوازن يتغير
الاقتصاد لم يعد يختبئ خلف السياسة
بل أصبح يمارس القوة مباشرة
فالأسواق المالية تتحكم في تدفقات رأس المال وسلاسل الإمداد تتحكم في الإنتاج العالمي وشبكات التكنولوجيا تتحكم في المعرفة والبنية المالية العالمية تتحكم في حركة الأموال وحتى العقوبات الاقتصادية أصبحت قادرة على شل اقتصادات كاملة خلال ساعات بينما يمكن لتدفقات الطاقة أن تغير موازين القوة بين الدول في لحظة واحدة
وهكذا أصبح المشهد العالمي يبدو غريبًا قليلًا السياسة تقف على المسرح تشرح وتبرر بينما تتحرك القوة الاقتصادية في الخلفية وتغير الواقع بسرعة تفوق إيقاع السياسة
ولهذا يبدو الاقتصاد العالمي أحيانًا غير منطقي الاقتصاديون يشرحون لماذا ترتفع تكاليف الشحن ولماذا تتعطل سلاسل الإمداد ولماذا تقفز أسعار الطاقة لكن الأسباب الأعمق لهذه الظواهر غالبًا ما تكون مرتبطة بقوة اقتصادية أصبحت تمتلك أدوات التأثير نفسها التي كانت حكرًا على السياسة
العالم الذي نراه اليوم لم يعد مجرد عالم تحكمه السياسة ثم يشرح الاقتصاد نتائجه
بل أصبح عالمًا ورثت فيه القوة الاقتصادية أدوات الفعل بينما بقيت السياسة تحمل عبء التفسير
الاقتصاديون يفسرون الواقع
الأسواق تحرك الواقع
القوة تحدد الواقع
وعندما يصبح هذا واضحًا يبدأ المسرح الغريب للاقتصاد العالمي في أن يبدو مفهومًا قليلًا الخبراء حول الطاولة يحسبون المخاطر السفن تعبر ممرات خطرة السياسيون يلقون الخطابات بينما تتحرك القطع فوق رقعة الشطرنج
وفي النهاية يتضح شيء واحد
العالم لا تحكمه المعادلات
بل تحكمه القوة التي تقرر متى تصبح هذه المعادلات مهمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot