لم يعد العالم كما كان. لم تعد المشكلة في نقص الكلام، بل في زيادته. كل شيء اليوم يطالب بالانتباه: إشعارات، أخبار، آراء، تعليقات، محتوى لا ينتهي. وسط هذا الضجيج، أصبح الصمت نفسه شيئًا نادرًا… بل مهارة.
الصمت هنا لا يعني غياب الكلام فقط، بل القدرة على التوقف. التوقف عن الرد السريع، عن إبداء الرأي في كل شيء، عن استهلاك كل ما يُعرض علينا. في عالم يكافئ الصوت العالي، أصبح الصمت نوعًا من القوة.
المفارقة أن كثرة الكلام لا تعني وضوحًا أكبر، بل أحيانًا تعني تشويشًا أكثر. عندما يتحدث الجميع في نفس الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين المهم وغير المهم. وهنا تظهر قيمة الصمت كمساحة للتفكير.
كما أن الصمت يمنح الإنسان فرصة لفهم أعمق. بدل ردود الفعل السريعة، يتيح الصمت استيعاب الصورة كاملة. بدل الانجراف مع التيار، يمنح فرصة للاختيار الواعي.
لكن الصمت أصبح صعبًا، لأنه يتطلب مقاومة الإيقاع السريع للحياة. يتطلب أن تقبل أنك لن تعلق على كل شيء، ولن تشارك في كل نقاش. وهذا في حد ذاته قرار.
في النهاية، الصمت ليس ضعفًا كما قد يبدو، بل قدرة على التحكم. في عالم مليء بالضوضاء، قد يكون من يعرف متى يصمت… هو الأكثر وعيًا.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق