الجمعة، 20 مارس 2026

حين نُدمن الألم… لماذا نشتاق لمن آذانا؟

د.سوهير الطويل
 استشاري نفسي واسري وتربوي 

ليس كل اشتياقٍ دليل حب، فبعض الحنين لا يكون إلا صوت جرحٍ لم يلتئم بعد، ينادينا للعودة إلى المكان الذي بدأ منه الألم. تلك المفارقة التي يعيشها كثيرون، حين يجد الإنسان نفسه يشتاق لمن آذاه، ويتوق لمن كسره، وكأن القلب يعاند العقل، أو كأن الوجع نفسه صار جزءًا من الألفة.
في عمق هذه التجربة، لا يكون ما نشعر به حبًا خالصًا كما نظن، بل نوعًا من التعلّق الذي يتكوّن حين يرتبط شخصٌ ما باحتياجات نفسية عميقة داخلنا. قد نكون قد رأينا فيه الأمان، أو الاحتواء، أو حتى مجرد الهروب من الوحدة، فاختلطت مشاعرنا، وأصبح من الصعب التفرقة بين من نحب ومن نحتاج. وهنا يبدأ الوهم، حيث لا نشتاق للشخص بقدر ما نشتاق لما مثّله لنا في لحظة ضعف.
الأصعب من ذلك أن النفس البشرية قد تعتاد الألم إذا تكرر، بل وقد تتعلّق به دون أن تدري. في العلاقات المؤذية، لا يأتي الأذى دائمًا في صورة مستمرة، بل يتخلله لحظات من الحنان والاهتمام، فتتكوّن حالة من التذبذب العاطفي تجعل الإنسان منتظرًا لتلك اللحظات الجيدة، مهما كان الثمن. وكأن القلب يدخل في دائرة مغلقة، يبرر فيها الألم لأنه يتبعه تعويض مؤقت، فيستمر التعلّق رغم الجرح.
ويزيد الأمر تعقيدًا حين نتشبث بفكرة أن من آذانا سيتغير، فنعيش مع صورة مثالية رسمناها له، لا مع حقيقته. نتمسك بلحظات قليلة كانت جميلة، ونبني عليها آمالًا كبيرة، فنشتاق لا لما كان، بل لما تمنّينا أن يكون. وهنا يتحول الحنين إلى نوع من الحلم المؤجل، لا علاقة له بالواقع.
لكن في كثير من الأحيان، لا يكون الشخص نفسه هو القضية، بل ما يوقظه داخلنا. فبعض العلاقات لا تُؤلمنا لأنها سيئة فقط، بل لأنها تلمس جروحًا قديمة لم تلتئم. قد تعيد إلينا شعورًا قديمًا بالرفض، أو الخذلان، أو فقدان الأمان، فنجد أنفسنا نعيد نفس القصة بأوجه مختلفة، وكأننا نحاول دون وعي أن نصلح الماضي من خلال الحاضر.
وسط كل ذلك، تتراجع الكرامة أحيانًا خطوة للخلف، ويبدأ الإنسان في تبرير ما لا يُبرر، وتجميل ما لا يُحتمل، فقط لأنه لا يريد أن يواجه حقيقة مؤلمة: أن من اشتاق إليه، هو نفسه من كان سبب ألمه. وهنا تكون المواجهة صعبة، لكنها ضرورية، لأن الاستمرار في هذا التعلّق لا يُعيد ما فُقد، بل يستهلك ما تبقى.
إن الاشتياق لمن آذانا لا يعني أنهم يستحقون، بل يعني أن داخلنا شيئًا لم يُشفى بعد. والشفاء لا يكون بالعودة إلى نفس الدائرة، بل بفهمها، والتصالح مع الذات، واستعادة قيمتنا التي ربما تنازلنا عنها في لحظة ضعف.
في النهاية، ليس كل غياب خسارة، وليس كل رجوع نجاة. أحيانًا، يكون أعظم ما يمكن أن نفعله لأنفسنا، هو أن نختار الرحيل بصمت، ونُدرك أن بعض الأبواب، رغم الحنين، خُلقت لتُغلق… لا لتُفتح من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot