د.سوهير الطويل
باحث اجتماعي واسري وتربوي
في خضم الحديث المتكرر عن ظلم المرأة داخل الحياة الزوجية، يغيب أحيانًا وجه آخر من الحقيقة… وجه لا يقل ألمًا، ولا يقل خطورة… وهو ظلم الزوجة لزوجها.
ذلك الظلم الذي لا يعلو صوته، ولا يُرفع له شعار، لكنه يترك في نفس الرجل جروحًا عميقة، وقد يهدم أسرة بأكملها دون أن يشعر أحد.
الزواج في جوهره ميثاق غليظ، قائم على العدل والمودة والرحمة، وليس ساحة صراع تُنتزع فيها الحقوق انتزاعًا، أو تُستغل فيها القوانين لتصفية الحسابات.
لكن حين تختل الموازين، وتتحول الزوجة من شريكة إلى خصم، يبدأ شكل آخر من القهر… قهر صامت.
قد يتمثل هذا الظلم في صور متعددة:
أن تُسيء الزوجة معاملة زوجها رغم إحسانه،
أو تُهينه بالكلمة أو الفعل،
أو تُحمّله ما لا يطيق من مطالب مادية أو نفسية،
أو تستغل القوانين لتأخذ ما ليس من حقها،
أو تُحرّض الأبناء عليه، فتنزع من قلوبهم احترامه ومكانته.
وهنا لا يكون الألم فقط في الفعل، بل في الشعور…
شعور الرجل بأنه مرفوض، أو مُهان، أو مُستغل، داخل بيته الذي كان يجب أن يكون سكنه وأمانه.
وقد حذر الإسلام من الظلم أيًا كان مصدره، فقال الله تعالى في الحديث القدسي:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"
فالظلم ليس له جنس، ولا ينحاز لرجل أو امرأة…
هو خطيئة خالصة، يعاقب الله عليها، ولو بعد حين.
وقد تظن بعض الزوجات أن أخذ "أكثر من الحق" ذكاء أو انتصار، خاصة في أوقات النزاع، لكنها لا تدرك أنها بذلك تؤسس لظلمٍ سيُحاسبها الله عليه حسابًا دقيقًا…
فالحقوق لا تضيع عند الله، وإن ضاعت في الدنيا.
والأخطر من ذلك… أن هذا الظلم لا يقف عند حدود الزوجين، بل يمتد ليصيب الأبناء في صميم تكوينهم النفسي.
فالطفل الذي يرى أمه تُهين أباه، أو تُقلل منه، أو تظلمه، ينشأ مشوشًا:
إما فاقدًا لاحترام الأب،
أو رافضًا لفكرة الزواج،
أو حائرًا بين نموذجين متناقضين من القيم.
بل وقد يعيد إنتاج نفس الظلم في حياته مستقبلًا…
فالبنت قد تتعلم التسلط، والولد قد يفقد ثقته في النساء أو في ذاته.
وهكذا… لا يكون الظلم مجرد موقف عابر، بل بذرة تُزرع في تربة الأسرة، فتُثمر اضطرابًا في الأجيال القادمة.
إن العدل داخل الأسرة ليس رفاهية، بل ضرورة لبقاءها.
والرحمة ليست ضعفًا، بل قوة تحفظ القلوب من الانكسار.
فليتقِ كل طرف الله في الآخر…
ولتعلم كل زوجة أن القوة الحقيقية ليست في أن تغلب زوجها، بل في أن تحفظ بيته، وتصون كرامته، كما تحب أن تُصان كرامتها.
فالزواج ليس معركة…
بل ميثاق، إن ضاع فيه العدل… ضاع كل شيء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق