بقلم امل صالح سليم اخصائية تربيةخاصة وصحة نفسية
أصبح وسائل التواصل الاجتماعي في عالمنا المترابط جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي تؤثر على كيفية تواصلنا وتعلمنا وتفاعلنا مع العالم المحيط بنا. أما بالنسبة لطلاب المدارس فإن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التعليم عميق جداً لأنه يشكل تجاربهم التعليمية داخل وخارج الفصل الدراسي.
أنشأه مارك زوكربيرج في منتصف العقد الأ
ثم ظهر بعد ذلك التدوين المصغر بين عامي 2006 و 2010 بفضل موقع تويتر الذي ظهر كقوة هائلة، حيث ابتكر التدوين المصغر بصيغته المختصرة والمكونة من 280 حرفاً، وأتاح للمستخدمين مشاركة الأفكار والتحديثات في الوقت الفعلي.
وفي نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة اندلعت ثورة الهواتف المحمولة مع انتشار واسع للهواتف الذكية، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في كل مكان، مما أتاح للمستخدمين البقاء على اتصال أينما ذهبوا، وتبدلت الكيفية التي يتواصل بها الناس ويتشاركون المعلومات.
وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين:
يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين بالنسبة للتعلم، فهي من ناحية يمكنها أن تساعد الطلاب على التعلم بطرق متنوعة، بحيث تمكن الطلاب من الوصول إلى العديد من الموارد التعليمية، والتواصل مع زملائهم ومع المعلمين من جميع أنحاء العالم، والعمل معاً على المشاريع والمناقشة عبر الإنترنت. وتعتبر مواقع مثل تويتر ويوتيوب وحتى مجتمعات التعلم عبر الإنترنت أدوات رائعة لمساعدة الطلاب على تعلم المزيد والاهتمام بالمواضيع المختلفة.
ومع ذلك، فإن لهذه المنصات جوانب سلبية يمكن أن تضر بالعملية التعليمية برمتها. وتظهر الدراسات أن قضاء وقت طويل على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى تدهور المستوى الأكاديمي للطلاب وانخفاض درجاتهم، لأن الطلاب الذين يقضون وقتاً طويلاً على هذه المنصات قد لا يجدون الوقت الكافي لإكمال واجباتهم المنزلية أو الحصول على قدر كافٍ من النوم، مما يجعل من الصعب عليهم التفوق في المدرسة.
ما وراء الأداء الأكاديمي
يمكن أيضاً لوسائل التواصل الاجتماعي أن تتسبب في ضرر الطلاب بطرق أخرى، وليس فقط درجاتهم. فالتدفق المستمر للإشعارات على شاشة الهاتف والرغبة في الحصول على الكثير من الإعجابات والتعليقات عبر الإنترنت، والخوف من فوات شيء ما يمكن أن يجعل من الصعب على الطلاب التركيز في الدراسة. وقد يشعر الطلاب بانخفاض في تقدير أنفسهم تجاه ذواتهم إذا قارنوا حياتهم بما يرونه على وسائل التواصل الاجتماعي أو بما ينشره الآخرون عبر الإنترنت.
بالإضافة إلى ذلك يمكن لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي أن يخفوا هوياتهم الحقيقية عبر الإنترنت، وبذلك يكون من الأسهل عليهم ممارسة التنمر على الآخرين والإساءة إليهم مما يجعلهم يشعرون بالخوف والقلق والاكتئاب. كما أن مستخدمي هذه المنصات غالباً ما يعرضون أفضل ما لديهم، وليس حياتهم اليومية العادية، وهذا بدوره يمكن أن يجعل الطلاب يشعرون بالنقص، الأمر الذي يمكن أن يكون مرهقاً وضاراً بصحتهم النفسية.
فوائد وسائل التواصل الاجتماعي في التعليم
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من مجرد وسيلة للتواصل مع الأصدقاء عبر الإنترنت. فهي أداة قوية يمكنها تعزيز التجارب التعليمية بطرق متعددة:
1- الوصول إلى المحتوى والموارد التعليمية:
تشكل منصات وسائل التواصل الاجتماعي بوابة للدخول إلى المحتوى التعليمي في جميع أنحاء العالم. ويمكن الاستفادة والتعلم من مستخدمي قنوات اليوتيوب الذين يشرحون المفاهيم المعقدة بأسلوب سلس وشيق، أو الانضمام إلى المجموعات والمنتديات المليئة بالخبراء عبر الإنترنت، مما يتيح للطلاب الوصول إلى العديد من وجهات النظر المتنوعة بسهولة.
وتمنح المدونات التعليمية للطلاب في المرحلة الدراسية الفرصة للوصول إلى المواد التعليمية المتنوعة من مقاطع الفيديو والمقالات مما يعزز تعلمهم المستقل. هذه الإمكانية تمكن الطلاب من تعزيز الدروس التي يتلقونها في الفصل واستكشاف مواضيع متخصصة وتعميق فهمهم للموضوعات الأكاديمية. ومن خلال تقديم موارد تكميلية تتجاوز المنهج الدراسي نجد أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي تتيح للطلاب التعلم وفقاً لسرعتهم الخاصة، بما يلبي أساليب التعلم الفردي لديهم. هذه المرونة تشجع على التعلم الذاتي وتعزز النمو الأكاديمي للطلاب، مما يزودهم بالمعرفة والمهارات القيمة للنجاح داخل وخارج الفصل الدراسي.
2- التعلم النشط والتعاون:
تعزز وسائل التواصل الاجتماعي التعلم النشط والتعاون السهل بين الطلاب. تخيّل أن تعمل على مشروع ما مع زميل ما يعيش في دولة ما. كذلك تتيح منصات التواصل الاجتماعي للطلاب مشاركة نتائج البحوث وتبادل الأفكار بشأنها وتحرير المستندات بشكل تعاوني وفي نفس الوقت. كما تتيح للطلاب في شتى المراحل الدراسية التواصل والتعاون مع المعلمين خارج نطاق الفصول الدراسية التقليدية. وتوفر تطبيقات المراسلة والدردشات الجماعية والمنتديات النقاشية عبر الإنترنت قنوات للطلاب لطرح الأسئلة ومشاركة الأفكار والتعاون في المشاريع في الوقت الحقيقي. يعزز هذا التواصل شعوراً بوحدة المجتمع بين الطلاب ويشجع التعلم من الأقران ويسهل العمل الجماعي، بغض النظر عن البعد الجسدي أو القيود الزمنية
4- تطوير مهارات التواصل:
توفر منصات وسائل التواصل الاجتماعي مساحة آمنة لممارسة وتطوير مهارات المستخدمين في التواصل، وتتيح لهم الانخراط في المناقشات عبر الإنترنت والتعبير عن أفكارهم بوضوح وتعلمهم كيفية النقاش باحترام وفهم وجهات النظر المختلفة
التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي
تشير التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي إلى الآثار الضارة التي يمكن أن تحدثها منصات التواصل الاجتماعي على الأفراد والمجتمعات . وتشمل هذه التأثيرات جوانب مختلفة من الحياة بما في ذلك الصحة النفسية والعلاقات الشخصية بين الأفراد وقضايا الخصوصية والإنتاجية والمعايير المجتمعية. وتشمل التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي ما يلي:
التشتت:
تشكل منصات وسائل التواصل الاجتماعي أكبر مصدر لتشتت الطلاب مما يعيق تركيزهم وإنتاجيتهم. وإن التدفق المستمر للإشعارات والتصفح اللانهائي للمعلومات وإغراء التفاعل مع الآخرين يسحب الطلاب بعيداً عن مسؤولياتهم الأكاديمية. ونتيجة لذلك يمكن أن يتأخر الطالب في إنجاز مهامه وواجباته، أو يجد صعوبة في التركيز، وبالتالي سيعاني من تراجع أدائه الأكاديمي.
التأثير على الصحة النفسية:
أثبتت العديد من الدراسات وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والمشاكل النفسية المختلفة بين الطلاب في المدارس، بما في ذلك القلق والاكتئاب وتدني احترام الطالب لذاته عندما يقارن نفسه مع الآخرين. علاوة على ذلك يمكن أن يؤدي التعرض للتنمر الإلكتروني والتحرش عبر الإنترنت والمعايير الجمالية غير الواقعية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تفاقم التوتر والتأثير سلباً على الصحة النفسية للطلاب مما يؤثر على أدائهم الأكاديمي وجودة حياتهم بشكل عام.
انتشار المعلومات الخاطئة:
غالباً ما تضج وسائل التواصل الاجتماعي بالمعلومات الخاطئة والشائعات والأخبار الزائفة، مما يمكن أن يقوّض قدرة الطلاب على تمييز المصادر الموثوقة وتقييم المعلومات بشكل نقدي. ويمكن أن يؤدي التعرض للمحتوى غير الدقيق أو المتحيز إلى تشويه فهم الطلاب للمواد الأكاديمية، ويؤدي إلى تبنيهم مفاهيم وأفكار خاطئة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تسهم سهولة نسخ ولصق المعلومات في وسائل التواصل الاجتماعي دون الإشارة إلى مصدرها إلى زيادة السرقات الأدبية وغيرها من المشكلات الأخلاقية في البيئة الأكاديمية، مما يقوض النزاهة الأكاديمية للطلاب ويضعف الثقة في إنجازاتهم التعليمية.
نصائح عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي:
قد تكون الكتب المدرسية مملة في بعض الأحيان، وقد تكون المحاضرات الجامعية عبئاً ثقيلاً في أحيانٍ أخرى، ولكن ماذا لو قلنا لك أن منصات التواصل الاجتماعى التى تستخدمها للدردشة مع الاصدقاء ومشاركة الفيديوهات المضحكة يمكن ان تصبح سلاحك السرى للتعلم
ليست كل المعلومات التي تبث عبر الإنترنت لها نفس القدر من الأهمية. التزم بمتابعة القنوات التعليمية ذات السمعة الجيدة، حججه والحسابات المعتمدة للخبراء والمصادر الإخبارية الموثوقة. فكر فيهم كفريق من المعلمين الأذكياء عبر الإنترنت، وأنهم دائماً جاهزون لمشاركتك معرفتهم.
2- إدارة الوقت هي المفتاح:
يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي لصاً يسرق أوقاتك. لذلك ضع لنفسك بعض القواعد، وخصص أوقاتاً محددة لمتابعة المحتوى التعليمي وتجنّب الانغماس في هذا التدفق الذي لا ينتهي، وتذكر أن دراستك وصحتك لهما الأولوية الأولى. يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تصبح منصاتٍ رائعة لممارسة مهارات التواصل والبقاء على اطلاع. ارتقِ بمستوى تواصلك ونقاشك مع الآخرين عبر الإنترنت، وتعلم كيفية التعبير عن نفسك بوضوح والنقاش باحترام وفهم وجهات نظر الآخرين.
3- التنقل في المشهد الرقمي
نظراً لأن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد التعلم أو تضره في نفس الوقت، يصبح من المهم للمعلمين وأولياء الأمور وصناع القرار أن يعملوا معاً بعدة طرق للتعامل مع تأثيرها على الطلاب من خلال التوعية والتوجيه وتثقيف الطلاب حول الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء سياسات واضحة لتنظيم استخدامها في البيئات التعليمية بالإضافة إلى تشجيع التوازن وتعزيزه بين الأنشطة عبر الإنترنت وخارجها لضمان رفاهية الطلاب الشاملة.
4- محو الأمية الرقمية
إننا بحاجة إلى التركيز على محو الأمية الرقمية لمساعدة الطلاب على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأمان ومسؤولية. وهذا يعني إنشاء دروس تعلمهم المهارات الأساسية للتعامل مع عالم الإنترنت.
إن الجزء الأكثر أهمية في محو الأمية الرقمية هو تعلم التفكير النقدي، وهذا يعني أن الطلاب يحتاجون إلى تمييز المعلومات الصحيحة وما يحتاج منها إلى مراجعة. يجب أن يعرفوا كيفية طرح الأسئلة والتحقق من المصادر وتشكيل الآراء، وهذا بالطبع سيساعدهم على تجنب الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة والمحتوى غير اللائق عبر الإنترنت.
يشمل محو الأمية الرقمية أيضاً أشياء أخرى مثل المحافظة على الأمان عبر الإنترنت وحماية الخصوصية، وهذا يعني تعليم الطلاب كيفية التصرف بمسؤولية عبر الإنترنت والحفاظ على معلوماتهم الشخصية بأمان وفهم عواقب أفعالهم عبر الإنترنت والتعامل مع التنمر الإلكتروني. ومن خلال تعلم هذه الأشياء يمكن للطلاب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بذكاء مما يساعدهم على الشعور بالراحة والحصول على تجارب إيجابية عبر الإنترنت.
5- تعزيز التواصل المفتوح
يعد الحديث المفتوح بنفس أهمية تعلم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأمان. نحتاج إلى إنشاء مساحات آمنة في المدرسة بحيث يشعر الطلاب بالارتياح عندما يتحدثون عن تجاربهم عبر الإنترنت، سواء كانت تجارب جيدة أو سيئة. كما يمكنهم طرح الأسئلة والحصول على الدعم والمساعدة اللازمة ومناقشة المشكلات عبر الإنترنت. ومن خلال الحفاظ على قنوات مفتوحة للتواصل بين الطلاب والمعلمين، يمكننا اكتشاف بعض المشكلات مثل التنمر الإلكتروني في وقت مبكر ومساعدة الطلاب على البقاء آمنين عبر الإنترنت.
يمكن للمدارس أن تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع أولياء الأمور والتحدث معهم حول وضع حدود صحية لوقت الشاشة وكيفية التصرف بمسؤولية عبر الإنترنت. يمكن للمجموعات تقديم برامج تعلم الطلاب مهارات محو الأمية الرقمية. كما يمكن للمتخصصين في الصحة النفسية مساعدة الطلاب الذين يعانون من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلال العمل معاً يمكن للجميع إنشاء بيئة عبر الإنترنت أكثر أماناً وصحة للطلاب.
6- الاستفادة من الإمكانات التعليمية
وعلى الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تسبب العديد من المشكلات إلا أنها يمكن أن تكون أيضاً أداة مفيدة للتعلم. يمكننا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطرق مختلفة في المدرسة لجعل التعلم أكثر متعة وجاذبية.
على سبيل المثال يمكن للطلاب العمل معاً على مشاريع عبر الإنترنت، ومشاركة المعلومات والتعلم من بعضهم البعض. يساعدهم هذا على تطوير مهارات العمل الجماعي والاتصال، وهي مهارات أساسية في عالم اليوم. كما يمكنهم أيضاً استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للبحث ومشاركة الأعمال مع الآخرين خارج الفصل.
أهمية فهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التعليم
إن فهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التعليم ضروري من أجل اتخاذ قرارات حكيمة ومدروسة وتعزيز ممارسات التعليم والتعلم. يمكن للمعلمين إنشاء تجارب تعليمية أكثر جاذبية من خلال الاستفادة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي مع تعزيز محو الأمية الرقمية والسلوك المسؤول عبر الإنترنت بين الطلاب. يمكن أن يساهم الوعي بالمخاطر المحتملة لوسائل التواصل الاجتماعي مثل المعلومات المغلوطة والتنمر الإلكتروني في اتخاذ تدابير استباقية لمعالجة هذه القضايا وتعزيز بيئة أكثر أماناً عبر الإنترنت. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإلمام بوسائل التواصل الاجتماعي يهيئ الطلاب للمستقبل الأكاديمي والمهني ويزوّدهم بالمهارات الرقمية اللازمة للنجاح في عالم سريع التغير. وبشكل عام تعد المعرفة بوسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من تعزيز الاستخدام الفاعل والمسؤول في التعليم.
إن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على التعليم سلاحٌ ذو حدين يقدم الفرص والتحديات. وبينما يتنقل الطلاب في هذا العالم الرقمي يجب على المعلمين وأولياء الأمور وواضعي السياسات العمل معاً من أجل مضاعفة الآثار الإيجابية وتقليل السلبيات المحتملة. ومن خلال تعزيز نهجٍ متوازنٍ يستفيد من الإمكانات التعليمية لوسائل التواصل الاجتماعي مع معالجة تحدياتها، يمكننا تمكين الطلاب ليصبحوا مواطنين رقميين مسؤولين، مجهزين للنجاح في عالم سريع التغير والترابط والرقمنة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق