الجمعة، 27 مارس 2026

جيل التربية السريعة: حين يُختصر الإنسان في زرّ “تخطي”

د. سوهير الطويل
باحث نفسي وأسري وتربوي 

لم يعد الطفل يُربّى… بل يُستعجل.
وكأن الطفولة مرحلة يجب تجاوزها، لا عيشها.
في زمن السرعة، لم تسلم التربية من هذا الإيقاع اللاهث، فتحولت—في كثير من البيوت—من رحلة نمو هادئة، إلى سباق محموم نحو النتائج. لم يعد الهدف أن يفهم الطفل، بل أن يستجيب بسرعة… أن ينجح فورًا… أن يختصر الطريق، حتى لو لم يتعلم السير.
التربية السريعة ليست مجرد تسريع للتعلم، بل هي نمط تفكير كامل يقوم على استعجال كل شيء:
استعجال النضج، واستعجال الطاعة، واستعجال الإنجاز، وحتى استعجال الاتزان النفسي.
فنرى طفلًا يُطلب منه أن يتصرف بنضج يفوق عمره، وأن يتحكم في مشاعره قبل أن يفهمها، وأن يلتزم قبل أن يعي معنى الالتزام.
وحين يخطئ… لا يُحتوى، بل يُصحَّح بسرعة.
وحين يتأخر… لا يُفهم، بل يُقارن بغيره.
الأم التي تقول لطفلها: “خلص بسرعة”…
والمعلم الذي يطلب: “افهم فورًا”…
والمجتمع الذي لا يعترف إلا بالمتفوقين…
كلهم—دون أن يشعروا—يصنعون جيلًا يُجيد الأداء… لكنه لا يفهم ذاته.
هذا الجيل يتعلم أن قيمته في سرعته، لا في وعيه.
في إنجازه، لا في تجربته.
في صورته أمام الآخرين، لا في شعوره الحقيقي.
وهنا تبدأ المشكلة.
ينشأ طفل يبدو ناجحًا من الخارج، سريع الاستجابة، منضبط السلوك…
لكنه من الداخل قلق، متوتر، يخشى الخطأ، ويرتعب من التباطؤ، لأنه لم يُمنح يومًا حق التعلم البطيء.
يتحول الخطأ عنده من فرصة للتعلم… إلى تهديد لصورته.
وتتحول مشاعره من إشارات يجب فهمها… إلى أعباء يجب إخفاؤها.
جيل التربية السريعة هو جيل الاستجابة الفورية… لكنه أيضًا جيل الاحتراق البطيء.
لأنه لم يتعلم الصبر، بل التعجيل…
ولم يُدرّب على التحمّل، بل على القفز فوق الألم…
ولم يُسمح له أن ينضج بطبيعته، بل طُلب منه أن يبدو ناضجًا فقط.
وحين يواجه هذا الإنسان أول أزمة حقيقية في حياته، يتفاجأ بنفسه…
لا يعرف كيف يتحمل، ولا كيف ينتظر، ولا كيف يفهم ما يشعر به.
لأنه تعوّد على الحلول السريعة، لا على البناء التدريجي.
الأخطر من ذلك، أن هذه التربية تصنع علاقة مشروطة بين الإنسان وذاته:
“أنا جيد… فقط إذا كنت سريعًا، ناجحًا، متفوقًا.”
وهي علاقة قاسية، تزرع في داخله شعورًا دائمًا بعدم الكفاية، مهما حقق.
إن الطفل لا يحتاج إلى والدين يدفعانه للأمام بكل قوة…
بل يحتاج إلى من يسير بجانبه.
من يفهم إيقاعه، ويحترم توقيته، ويؤمن أن لكل مرحلة حقها.
التربية ليست سباقًا… بل رحلة.
رحلة يُسمح فيها بالتعثر، ويُحتفى فيها بالمحاولة، ويُفهم فيها الشعور قبل السلوك.
جيل التربية السريعة ليس ضحية التكنولوجيا فقط،
بل ضحية ثقافة تُقدّس السرعة… وتُهمل العمق.
ولذلك، فإن إنقاذ هذا الجيل لا يكون بتعليمه كيف يكون أسرع…
بل كيف يكون أعمق.
كيف يصبر…
كيف يشعر…
كيف يفهم نفسه… قبل أن يُجيد إرضاء الآخرين.
لأن الإنسان لا يُقاس بسرعة وصوله…
بل بقدر ما بقي منه حين وصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot