بقلم ✍️المستشار/ مصطفي آمين منصور العسيري
الشرق الأوسط على حافة الانفجار… والحل في “إدارة الأزمة”
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حالة من التوتر المزمن الذي يُعد من أكثر الأزمات الجيوسياسية تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر. ويكمن خطر هذه الأزمة في أن أي انزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة قد يترتب عليه تداعيات خطيرة لا تقتصر على الإقليم فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والأمن العالميين.
في هذا السياق، تبرز الحلول السياسية كخيار رئيسي لتجنب سيناريو التصعيد الشامل، إلا أن هذه الحلول لا يمكن النظر إليها كمسارات منفصلة، بل كحزمة متكاملة تحتاج إلى إدارة تدريجية وواقعية.
أولًا، يظل إحياء الاتفاق النووي الإيراني – أو التوصل إلى صيغة معدلة منه – أحد أبرز الخيارات المطروحة. ويتضمن ذلك فرض قيود على برنامج إيران النووي مقابل رفع تدريجي ومدروس للعقوبات الاقتصادية. وتنبع أهمية هذا الخيار من كونه نموذجًا سبق أن أسهم، ولو جزئيًا، في خفض حدة التوتر.
ثانيًا، تمثل المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة أداة ضرورية لإدارة الأزمة، سواء عبر قنوات رسمية أو من خلال وسطاء إقليميين ودوليين. فالهدف في المرحلة الراهنة ليس حل جميع الملفات دفعة واحدة، بل منع تفاقمها وتحويلها إلى صدام مفتوح.
ثالثًا، تبرز الحاجة إلى ترتيبات أمنية إقليمية، ولو بشكل تدريجي ومحدود، تشمل إيران ودول الخليج العربية، وربما إسرائيل بشكل غير مباشر. ويمكن أن تركز هذه الترتيبات على مبادئ أساسية مثل عدم الاعتداء، وضبط النشاط العسكري، وتأمين الممرات الحيوية.
رابعًا، يظل خفض التصعيد العسكري عنصرًا حاسمًا، من خلال تفاهمات غير معلنة تهدف إلى تجنب الاحتكاك المباشر، خصوصًا في الساحات الإقليمية مثل سوريا والعراق. وقد أثبت هذا النهج فعاليته النسبية في منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
خامسًا، تلعب الوساطة الدولية دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر، سواء عبر الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو من خلال أطراف إقليمية تمتلك قنوات اتصال فعالة مع جميع الأطراف، مثل سلطنة عُمان وقطر.
سادسًا، تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”الصفقات الجزئية”، التي تقوم على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، مثل الإفراج عن أموال مجمدة أو تبادل سجناء مقابل التزامات نووية محدودة. ويُعد هذا النهج من أكثر المسارات واقعية في ظل تعقيد المشهد الحالي.
سابعًا، يشكل إدماج إيران في الاقتصاد العالمي عاملًا مساعدًا على تقليل دوافع التصعيد، من خلال خلق مصالح اقتصادية مشتركة تعزز منطق الاستقرار على حساب المواجهة.
ورغم تعدد هذه المسارات، فإنها تصطدم بثلاث عقبات رئيسية: انعدام الثقة المتراكم بين الأطراف، وتضارب المصالح الإقليمية، والضغوط السياسية الداخلية داخل كل دولة.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في التوصل إلى حل شامل وسريع، بل في إدارة تدريجية للأزمة عبر مسارات متوازية من التهدئة والتفاوض، بما يحقق احتواءً مستدامًا للتوتر دون القضاء عليه بشكل نهائي. والله ولي التوفيق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق