بقلم امل صالح سليم
اخصائية تربية خاصة وصحة نفسية
احيانًا لا تموت العلاقات بسبب الخطأ…
بل بسبب الكلمات التي لم تُقل
في العيادة النفسية رأيت مشهدًا يتكرر كثيرًا.
ليس دائمًا خيانة…
ولا قسوة…
ولا حتى أخطاء كبيرة.
أحيانًا يكون السبب شيئًا أبسط بكثير…
وأقسى بكثير.
الكلمات التي بقيت في الصدر ولم تُقل.
أمّ كانت تتمنى أن تسمع من أبنائها يومًا:
"نحن نعرف كم تعبتِ من أجلنا."
لكنها لم تقل لهم يومًا كم كانت تتمنى تلك الكلمة.
وابن عاش سنوات يشعر أن قلبه انكسر من موقف قديم…
لكنه لم يقل ذلك لأمه.
فاكتفى بالصمت…
حتى تحول الصمت إلى مسافة.
وزوجة كانت تنتظر اعتذارًا بسيطًا…
لكنها أخفت الألم حتى صار في قلبها جدار.
وهكذا…
تمر السنوات.
كل طرف يعيش بقصته الخاصة.
القصة التي يصنعها القلب
عندما لا نتكلم بما في داخلنا
يقوم العقل بشيء خطير جدًا.
هو يبدأ في نسج قصة كاملة وحده.
فنقول لأنفسنا:
هو لا يحبني.
هي لم تهتم بي يومًا.
هم تعمدوا أن يجرحوني.
ومع مرور الوقت تتحول هذه القصص
من مجرد أفكار…
إلى حقائق في القلب.
مع أن الحقيقة الكاملة قد تكون مختلفة كثيرًا.
ما تقوله أبحاث علم النفس
American Psychological Association
إلى أن أحد أهم مفاتيح إصلاح العلاقات المتصدعة هو ما يسمى:
الإفصاح العاطفي
Emotional Self-Disclosure
وهو ببساطة:
أن يملك الإنسان الشجاعة ليقول للطرف الآخر ما في قلبه بصدق…
قبل أن يتحول الصمت إلى جدار لا يمكن عبوره.
المشكلة أن كل طرف يرى نصف القصة فقط
في كثير من العلاقات
لا يكون أحد الطرفين ظالمًا بالكامل
ولا الآخر بريئًا بالكامل.
لكن كل واحد يرى نصف القصة فقط.
الابن يرى الألم الذي عاشه.
والأم ترى السنوات التي ضحّت فيها.
الزوج يرى الضغوط التي حملها.
والزوجة ترى الجراح التي تركها.
كل طرف يملك جزءًا من الحقيقة…
لكن الحقيقة الكاملة لا تظهر
إلا عندما يتكلم الطرفان.
السؤال الذي يخاف كثير من الناس مواجهته
في العلاج النفسي أحيانًا نسأل سؤالًا صعبًا:
ماذا لو أن القصة التي نحكيها لأنفسنا
ليست الحقيقة الكاملة؟
ماذا لو أن بعض ما نسجه عقلنا
كان مجرد محاولة لحماية أنفسنا من ألم آخر؟
وماذا لو…
لو سمعنا القصة من الطرف الآخر
لاكتشفنا أن الأمر كان مختلفًا قليلًا؟
لأن الحقيقة المؤلمة أحيانًا
أن كثيرًا من العلاقات لم تنتهِ بسبب الكراهية.
بل انتهت لأن كل طرف
كان ينتظر أن يتكلم الآخر أولًا.
فمرّت السنوات…
وبقيت الكلمات
حبيسة القلوب.
وربما السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا الليلة
هل ما بيننا مات فعلًا…
أم أنه فقط
لم يجد من يفتح الباب للكلمة الأولى؟
أحيانًا لا نكتشف قيمة العلاقة
إلا بعد أن تمتلئ المقابر
بالكلمات التي لم تُقل....
المأساة الحقيقية ليست أن نختلف…
بل أن نغادر هذه الحياة
وفي صدورنا كلمات حب
لم نقلها أبدًا....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق