بقلم السيناريست / وليد عبدالنبي
في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتناسل الحكايات، لم تعد الدراما مجرد فنٍ يُروى، بل صارت قوةً خفية تعيد تشكيل الوعي، وتُعيد تعريف القيم، وتُسهم – بوعي أو دون وعي – في بناء الإنسان أو هدمه. وبين هذا المدّ الدرامي الجارف، يطفو سؤال فلسفي قديم بحدّة جديدة:
هل كانت نظرة أفلاطون المتوجسة من الفن أقرب إلى الحقيقة؟ أم أن دفاع أرسطو عن الدراما بوصفها وسيلة للتطهير لا يزال صالحًا؟
أفلاطون: الدراما بوصفها خطرًا أخلاقيًا
رأى أفلاطون أن الفن – وخاصة الدراما – ليس سوى "محاكاة للمحاكاة"، أي أنه يبتعد عن الحقيقة درجتين. فالعالم المحسوس في ذاته ليس الحقيقة الكاملة، بل ظلٌّ لعالم المثل، فإذا جاء الفن ليحاكي هذا الظل، فإنه يقدّم نسخة مشوهة من المشوّه أصلًا.
لكن اعتراض أفلاطون لم يكن معرفيًا فقط، بل أخلاقيًا في جوهره. فقد اعتبر أن الدراما تخاطب العاطفة لا العقل، وتُضعف القدرة على التمييز، وتغري الإنسان بتقمّص مشاعر وسلوكيات قد تكون منحرفة أو غير أخلاقية.
ومن هنا دعا إلى إقصاء الشعراء والممثلين من "مدينته الفاضلة"، لأنهم – في نظره – يفسدون وجدان الشباب، ويُجمّلون الرذيلة، ويُبررون الانحراف.
ولعل ما يثير الدهشة أن هذا الطرح، الذي بدا متشددًا في زمنه، يجد اليوم ما يدعمه في واقع درامي بات يُتهم – في كثير من صوره – بتطبيع العنف، وتجميل الخيانة، وتسطيح القيم.
أرسطو: الدراما كأداة للتطهير لا للإفساد
على النقيض، جاء أرسطو بنظرة أكثر اتزانًا وعمقًا. ففي كتابه فن الشعر، لم ينكر أن الدراما تؤثر في العاطفة، لكنه لم يرَ في ذلك خطرًا، بل ضرورة.
فالإنسان – في نظره – كائن عاطفي بطبعه، والدراما تمنحه فرصة آمنة لتفريغ هذه العواطف عبر ما سماه "التطهير" (Catharsis)، أي تنقية النفس من مشاعر الخوف والشفقة عبر معايشتها فنيًا.
وبذلك، لا تُفسد الدراما النفس، بل تُهذبها، وتُعيد توازنها.
كما رأى أرسطو أن الفن ليس مجرد نقل للواقع، بل إعادة صياغة له وفق منطق جمالي وأخلاقي، يهدف إلى إظهار القوانين الكلية للحياة، وليس فقط تفاصيلها السطحية.
بين الرؤيتين: أين تقف الدراما المعاصرة؟
إذا وضعنا رؤيتي أفلاطون وأرسطو في ميزان الواقع، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة:
فالدراما التي دافع عنها أرسطو بوصفها أداة تطهير، تحولت – في كثير من نماذجها المعاصرة – إلى ما كان يخشاه أفلاطون.
لم تعد بعض الأعمال تسعى إلى تهذيب النفس، بل إلى إثارة غرائزها.
لم تعد تقدم الصراع الأخلاقي لتجاوزه، بل لتبريره.
ولم يعد الشر فيها وسيلة لكشف الخير، بل صار بطلًا يُصفّق له.
وهنا يبرز سؤال حاسم:
هل الخلل في الدراما نفسها؟ أم في كيفية توظيفها؟
الحقيقة أن أرسطو لم يكن ساذجًا، بل كان يفترض وجود فنٍ مسؤول، يلتزم ببنية درامية تُفضي إلى تطهير حقيقي، لا إلى إغراق المشاهد في الفوضى.
أما إذا فقدت الدراما هذا الهدف، فإنها تتحول – تلقائيًا – إلى ما حذّر منه أفلاطون: أداة تشويه للوعي، لا تهذيبه.
الدراما بين التطهير والتدنيس
يمكن القول إن الدراما تقف دائمًا على حافة حدّين:
إما أن تكون وسيلة "تطهير" ترفع الإنسان فوق شهواته،
أو تتحول إلى أداة "تدنيس" تُغرقه فيها.
وفي هذا السياق، لا يكون الخلاف بين أفلاطون وأرسطو صراعًا بين حق وباطل، بل بين احتمالين للفن:
فنٌّ يرقى بالإنسان، وآخر يهبط به.
خاتمة: حين يصبح أفلاطون واقعيًا أكثر من أرسطو
ربما لم يكن أفلاطون عدوًا للفن بقدر ما كان خائفًا على الإنسان.
وربما لم يكن أرسطو مدافعًا عن الدراما بإطلاق، بل عن دراماٍ ذات رسالة.
لكن المفارقة الكبرى أن كثيرًا من درامانا اليوم تجعل أفلاطون يبدو أكثر واقعية، وأرسطو أكثر مثالية.
فالدراما التي لا تُطهر النفس… تُدنّسها.
والفن الذي لا يُهذّب الوجدان… يُفسده.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا أمام صُنّاع الدراما:
هل ما تقدمونه يُعيد الإنسان إلى إنسانيته… أم يسلبه إياها؟ بقلم المؤلف والسيناريست...... وليد عبد النبي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق