الجمعة، 27 مارس 2026

بريق الزيف وضريبة الروح

كانت تأتيني يومين في الأسبوع، امرأةٌ نُحتت ملامحها من طين الأرض الطيب، بسيطة كابتسامة طفل، ومهذبة كنسيم الفجر. لم تكن مجرد سيدة تساعدني في تنظيف المنزل، بل كانت درساً صامتاً في الرضا والمروءة، لذا كنتُ أرى في إكرامها واجباً يسبق الود.
وفي صباحٍ شاحب، رأيتها تجرُّ خلفها همّاً لا تطيقه الجبال. اقتربتُ منها، وسألتها بلهفة: "ما لي أرى غيوم الحزن تسكن عينيكِ يا طيبة؟".
تنهدت تنهيدةً كادت تقتلع ما بقي من صبرها وقالت: "يا أستاذة، ابنتي متمردة على واقعنا، تريد قطف النجوم بيديها، ولو كان الثمن حرق بيوت الآخرين مش عايزه تعيش عيشه أهلها 
ثم بدأت تروي لي فصولاً من حياة ابنتها التي غرتها الأضواء:
الفصل الأول: هوس الارتقاء
أخبرتني أنها كانت على علاقة بزميل لها في الجامعة، شابٌ ميسور الحال، "ابن أكابر" كما نقول. وفي غمرة رغبتها في التمسك به، أهدته في ميلاده هديةً باهظة، استنزفت راتب أمها لشهرين كاملين! وحين واجهتُها الأم بمرارة السؤال: "من أين لكِ بهذا؟"، كان الجواب صمتاً يثير الريبة. لكن المفاجأة كانت في موقف الشاب؛ حين رفض أهله الزواج، عرضت عليه "الزواج السري فصدمها برده الصارم أنا لستُ عابثاً بمشاعرك، ولو منحتني الدنيا بيتاً وسيارة، لن أعصي من وهبوني ذلك. إن تهوركِ هذا بات يخيفني، أعطني وقتاً لأحاول، ولا تدمري كل شيء بيدك 
الفصل الثاني: سوق المقايضة
لم تنتظر الابنة، بل ذهبت لتبحث عن "مختصر" آخر. في الشركة حيث تعمل سكرتيرة، أوقعت مديرها في شباكها كانت تذهب إليه وتجلس علي المكتب تستعرض شبابها وجمالها عرض عليها الزواج، لكن بـ "شروط العار"؛ زواجٌ سري بعيداً عن أعين زوجته الأولى، وبفارق سنٍ يربو على العشرين عاماً. صرخت الأم في وجهها: "يا ابنتي، السِّر مَدينةٌ لا يسكنها إلا الخائفون، وهذا الرجل ليس لكِي  لبيته وزوجته وأبنائه 
الفصل الثالث: القسوة في أبهى صورها
وصل الطمع بذروته حين عرفت "مغترباً" ميسوراً في الكويت. كان رجلاً يبحث عن "واجهة اجتماعية" تفتقر إليها زوجته الصالحة التي يراها  جميله وراقيه لكنها "بسيطة المظهر". وحين حذرتها الأم قائلة: "يا ابنتي، نحن لا نبني بيوتنا على أنقاض الآخرين، زوجته هددت بالطلاق لو تزوج، فلا تكوني سبباً في خراب البيوت".
كان رد الابنة كطعنة في صدر الأم: "لو أرادت الطلاق، فلتذهب غير مأسوف عليها، فلتأخذ أطفالها وتغور!  ليتفرغ لي أنا لا يهمني إلا نفسي، أريد الحياة التي تليق بي، وليحترق العالم من بعدي".
التفتت إليَّ الأم والدموع تحفر مجاريها في وجنتيها وقالت: "انصفيني يا أستاذة.. كيف أواجه قلباً لا يرى إلا لمعان الذهب، حتى لو كان مغموساً بدموع الأيتام؟ قلت 
"يا عزيزتي، ابنتكِ لا تبحث عن حياة، بل تبحث عن 'انتقام' من واقعها. أخبريها أن البيوت التي تُبنى على أنقاض قلوب النساء الأخريات، هي بيوتٌ بلا سقوف، ستنهار عند أول عاصفة.
إن الذي رفض أن يعصي والده لأجلها، كان يحميها من نفسها، والذي أرادها في السر، كان يشتري متعةً ويبيع كرامة، أما هذا المغترب الذي يبيع زوجته لأن مظهرها لا يروقه، فسيبيع ابنتكِ غداً حين يذبل ربيعها.
قولي لها: الخبز مع الكرامة ألذّ من الشهد المغموس في ذل الخيانة والسر.
الشاعرة سالى النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot