كتبت هذا الموضوع أ/ هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
في كثير من البيوت، تُختزل كلمة “عنيد” في معنى واحد: طفل صعب، مرهق، يرفض الأوامر ويعاند بلا سبب.
لكن هذا التوصيف السريع يخفي حقيقة أكثر عمقًا:
العند في جوهره ليس خللًا تربويًا دائمًا، بل إشارة لنمو داخلي يحاول الطفل من خلالها أن يثبت ذاته ويختبر حدوده.
السؤال الحقيقي ليس: كيف نكسر عناد الطفل؟
بل: كيف نُعيد توجيه هذه الطاقة لتصبح قوة؟
أولًا: ما هو العند من منظور نفسي؟
العند ليس مجرد رفض، بل هو سلوك يعكس:
رغبة في الاستقلال
محاولة لإثبات الذات
بحث عن مساحة للتحكم في القرارات
فالطفل عندما يقول “لا”، هو في كثير من الأحيان لا يرفض الفعل نفسه، بل يرفض الإجبار.
وهنا تظهر معادلة مهمة:
كلما شعر الطفل أن قراره مُلغى… زادت حاجته للمقاومة
ثانيًا: متى يكون العند صحيًا؟ ومتى يصبح مشكلة؟
✔️ العند الصحي:
يعبر عن رأيه بوضوح
يتمسك ببعض اختياراته
يناقش ويريد الفهم
لا يستسلم بسهولة
هذا النوع هو أساس:
الثقة بالنفس + قوة الشخصية + القدرة على اتخاذ القرار
العند المرهق:
رفض دائم دون مبرر
صدام مستمر مع الكبار
إصرار حتى في الخطأ
سلوك عكسي متكرر
وغالبًا لا يكون هذا طبعًا أصيلًا، بل نتيجة لتفاعل متكرر خاطئ بين الطفل والبيئة المحيطة.
ثالثًا: لماذا يعاند الطفل؟ (الأسباب الحقيقية)
1. الحاجة للسيطرة
الطفل يعيش في عالم مليء بالتوجيهات، فيحاول استعادة توازنه بقول “لا”.
2. رفض الضغط المباشر
كلما زادت نبرة الإلزام، زادت المقاومة.
العند هنا يصبح وسيلة دفاع، لا هجوم.
3. البحث عن الانتباه
بعض الأطفال يكتشفون أن العند:
يضمن تفاعلًا قويًا من الكبار… حتى لو كان سلبيًا
4. التقليد
البيئة التي يسودها التوتر أو الأسلوب الحاد، تُنتج طفلًا يتبنى نفس النمط.
رابعًا: أخطاء تربوية تُفاقم العند
تحويل كل موقف إلى معركة قوة
الإكراه المباشر دون تفسير
كسر إرادة الطفل أمام الآخرين
كثرة الأوامر مع غياب الحوار
التسرع في إطلاق الأحكام (“أنت عنيد”)
هذه الممارسات لا تُنهي العند… بل تعززه وتثبّته.
خامسًا: كيف نحوّل العند إلى قوة؟ (استراتيجيات فعّالة)
1. الاختيارات بدل الأوامر
منح الطفل خيارين مقبولين يحقق:
شعورًا بالتحكم
تقليل المقاومة
القرار الموجه أفضل من الأمر المباشر
2. إدارة المعارك بوعي
ليس كل رفض يستحق المواجهة.
اختيار المعارك يوفر الطاقة ويقلل الصدام.
3. الهدوء كأداة تأثير
الصوت المرتفع يخلق تحديًا،
أما الهدوء فيُضعف الرغبة في المقاومة.
4. احترام الرفض أحيانًا
الطفل الذي يُسمح له بالرفض في بعض المواقف:
يتعلم متى يوافق بوعي
5. حدود واضحة بدون صراع
الحزم لا يعني القسوة.
يمكن الجمع بين:
التعاطف مع المشاعر + الثبات في القرار
سادسًا: أدوات تدريبية عملية
🎯 لعبة الاختيارات
تدريب الطفل على اتخاذ القرار داخل إطار محدد.
⏳ تقنية التأجيل
منحه وقتًا قصيرًا للتفكير قبل الرد، لتقليل الاندفاعية المرتبطة بالعند.
الاتفاقات المسبقة
وضع قواعد واضحة قبل المواقف الصعبة، لتقليل المفاجآت والصدام.
سابعًا: اللغة التربوية تصنع الفارق
عبارات تُضعف الطفل:
“أنت عنيد ومش هتتغير”
“مفيش منك فايدة”
عبارات تبني وعيه:
“واضح إنك بتحب تختار بنفسك”
“تعال نلاقي حل يناسبنا كلنا”
الفرق هنا ليس في الكلمات فقط، بل في الصورة التي نزرعها داخله عن نفسه.
العند ليس معركة يجب أن ننتصر فيها على الطفل،
بل رسالة يجب أن نفهمها.
هو طاقة خام…
إما أن نكسرها فنصنع طفلًا خائفًا تابعًا،
أو نوجهها فنصنع إنسانًا قويًا، واثقًا، قادرًا على اتخاذ قراره.
الحكمة التربوية لا تكمن في فرض السيطرة،
بل في تعليم الطفل كيف يقود نفسه.
فالطفل الذي يُجيد قول “لا” اليوم…
هو نفسه الذي سيملك الشجاعة ليقول “لا” لكل ما يضرّه غدًا.
وهنا فقط، ندرك أن ما كنا نسميه “عنادًا”…
كان في الحقيقة بداية لشخصية قوية تنتظر من يفهمها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق