الثلاثاء، 10 مارس 2026

صمود وامل تحت القصف


ليس الهدف أن تكون سعيداً والحرب تدور من حولك. فالوجع حقيقي، والخطر ليس وهماً، والدمار ليس كابوساً يمكنك الاستيقاظ منه. لكن الهدف الأسمى هو أن تبقى واقفاً. أن تمر من هذه المحنة دون أن تحترق أعصابك، أو ينهار عقلك، أو ينكسر روحك. لأن من ينتصر في النهاية ليس من يملك السلاح الأكبر، بل من يملك قدرة أكبر على الصمود.

في خضم الفوضى، حين تهتز الأرض من تحت أقدامنا وتضطرب الأنباء من حولنا، يحتاج الإنسان إلى "خريطة نجاة" نفسية. دليلاً يعيد إليه شيئاً من التوازن في عالم فقد توازنه. إليك هذه الخريطة.

١. سموم الخبر.. حين تصبح المعلومة قاتلة

في زمن الحرب، لا تقتل القنابل فقط. هناك سموم زرقاء تنبض في شاشاتنا، تنتقل إلينا عبر الأخبار المتضاربة والمشاهد المؤلمة والشائعات المغرضة. إنها "حرب الأعصاب" التي تسبق الموت وتفوق ألمه أحياناً.

لا تكن إسفنجة. لا تترك هاتفك مفتوحاً ليل نهار تمتص به سموم الفيديوهات والتحليلات. حدد لنفسك نافذة صغيرة للاطلاع على الأخبار، نصف ساعة في المساء تكفي. وثق بمصدر واحد موثوق، فالتنقل بين عشرات القنوات والمواقع يخلق في رأسك فوضى أكبر من فوضى الشارع.

تذكر: متابعتك للحدث كل خمس دقائق لن تغير النتيجة، لكنها بالتأكيد ستدمر أعصابك.

٢. جسدك.. قلعة الهدوء الأولى

العقل والجسد ليسا منفصلين. حين يدق قلبك بعنف من الخوف، وحين يرتجف كفك وأنت تمسك كوب الماء، اعلم أن جسدك يرسل إنذاراً خاطئاً بأن الخطر محدق بك في هذه اللحظة بالذات. هنا تحتاج إلى خداع جسدك ليعود إلى الهدوء.

تقنية الصندوق السحري: عندما تشعر بأن نوبة الهلع تقترب، تخيل مربعاً. خذ شهيقاً عميقاً وأنت تصعد الضلع الأول (٤ ثوانٍ)، احتفظ بالنفس في الضلع الثاني (٤ ثوانٍ)، أخرج الزفير ببطء في الضلع الثالث (٤ ثوانٍ)، انتظر فارغاً في الضلع الرابع (٤ ثوانٍ). كررها ٣ مرات، وستشعر كأنك أعدت ضبط المصنع لجسمك.

لا تنسَ الماء والطعام. التوتر يجعلك تنسى جسدك، لكن الجفاف والجوع يزيدان القلق أضعافاً. اعتنِ بهذا الهيكل الذي يحملك، فهو مركبتك الوحيدة في هذه الرحلة.

٣. الخوف.. لا تقاتله، افهمه

الخوف ليس عدوك. الخوف هو حارسك القديم الذي كان يحمي أجدادك في الكهوف. المشكلة ليست في أن تخاف، المشكلة أن يصبح الخوف هو سيد الموقف.

هناك نوعان من الخوف:

· خوف حكيم: هو الذي يجعلك تنتبه، وتأخذ حذرك، وتذهب إلى الملجأ عند أول صفير إنذار. هذا الخوف يحميك.
· خوف قاتل: هو الذي يشل حركتك، يجعلك عاجزاً عن اتخاذ أي قرار، يدفعك إلى الصراخ أو البكاء دون توقف.

عندما تشعر بأن الخوف يتحول من حكيم إلى قاتل، تحرك. غير مكان جلوسك، المس شيئاً بارداً، اشرب كوب ماء، قف وامشِ بضع خطوات. حرك جسدك ليوقظ عقلك من كابوسه.

٤. في زمن الفوضى.. اصنع روتينك الخاص

الحرب تعني أن كل شيء توقف. المدارس توقفت، العمل توقف، الحياة الطبيعية توقفت. لكن النفس البشرية لا تحتمل الفراغ. الفراغ هو بيت القلق.

اصنع طقوسك الصغيرة: استيقظ في وقت ثابت، رتب سريرك كل صباح حتى لو اهتزت الأرض من حولك. حافظ على أوقات وجباتك. اقرأ وردك اليومي من كتاب تحبه أو ذكر تطمئن به. هذه التفاصيل الصغيرة ليست ترفاً، إنها مراسي تثبتك في قارب الحياة الذي تتقاذفه الأمواج.

٥. أن تكون مفيداً.. أقوى دواء

اللوم والجلد الذاتي والشعور بالعجز هم أسوأ ما يسببه الخطر. لكن هناك ترياقاً سحرياً: أن تكون مفيداً.

لا تقلل من شأن ما يمكنك فعله. طمأنة طفل خائف، مساعدة جار مسن على حمل حاجياته، كلمة دعم ترسلها لصديق وحيد، مشاركة في ترتيب مكان الإيواء. عندما تقدم يد العون لغيرك، فإن عقلك يفرز مواد كيميائية تخفف من توترك أنت أولاً. الغريب أن من يساعد، يتعافى أسرع ممن يساعد.

---

٦. الكلام ليس ترفاً.. اشرح ما بداخلك

ربما تربينا على فكرة أن "الرجل لا يبكي" أو أن "القوي لا يشتكي". لكن هذا وهم. الكلام عن المشاعر ليس ضعفاً، بل هو أقوى أشكال مواجهة الألم.

تحدث مع من تثق بهم. قل لهم: "أنا خائف". قل لهم: "هذا الموقف يفوق طاقتي". قل لهم: "لا أعرف كيف أتحمل". مجرد خروج الكلمات من صدرك يخفف وطأتها. الكتمان هو الذي يحول المشاعر المؤقتة إلى أمراض مزمنة.

---

٧. الغيب بين يديه.. اليقين في زمن الشك

للمؤمنين في هذه اللحظات ملاذ لا يُقدر بثمن. حين تتعطل الأسباب، ويسكت المنطق، وتغيب الحلول، يبقى باب لا يُغلق.

ادعُ بما في قلبك. ليس ضرورياً أن تكون فصيحاً، يكفي أن ترفع يديك وتقول "يا رب". اليقين بأن هناك من يدبر هذا الكون بحكمة، وأن ما يصيبنا لم يكن ليخطئنا، وأن وراء هذا الألم حكمة لا نراها الآن، هذا اليقين هو ماء الحياة في صحراء الخوف.

---

المهم أنت أقوى مما تتصور

الحرب تمتحننا جميعاً. لكن الإنسان اكتشف عبر آلاف السنين أنه قادر على تحمل أكثر مما يتخيل. الطبيعة البشرية صلبة، والروح إذا تمسكت بالحياة تمسكت بها.

قد لا نستطيع إيقاف الحرب، لكننا نستطيع أن نقرر كيف نعيشها. قد لا نستطيع إسكات صوت القنابل، لكننا نستطيع إسكات صوت الهلع في رؤوسنا.

وعدني: في المرة القادمة التي يرتجف فيها قلبك، توقف لحظة، ضع يدك على صدرك، خذ نفساً عميقاً، وقل لنفسك: "سأمر من هذه المحنة، ولن تمر هي مني".

لأنك في النهاية... إنسان، والإنسان يصمد
بقلم .دكتور شيرين فؤاد 
استشاري تدريب وتطوير دولي ولايف كوتش معتمد ومعالج بتقنيات الشعوريه والبرمجه اللغويه العصبيه وعلم النفس الايجابي وDpt Cbt Act واستشاري تدريب بالاتحاد الدولي للمدربين العرب .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot