الأربعاء، 18 مارس 2026

المرأة المُعلَّقة… حين يتحول الزواج إلى أداة ظلم

د.سوهير الطويل 
باحث اجتماعي واسري و تربوي

لم يكن الزواج في الإسلام مجرد عقدٍ شكلي يجمع بين رجل وامرأة، بل هو ميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة. قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21).
لكن المؤلم أن بعض الأزواج يحوّلون هذا الميثاق إلى وسيلة ضغط وإيذاء، فيُبقون الزوجة مُعلَّقة؛ لا هي زوجة تنعم بحقوقها، ولا هي مطلّقة تستطيع أن تبدأ حياة جديدة. يتركها بلا نفقة، ولا اهتمام، ولا حياة أسرية، ثم يرفض الطلاق إلا بشروط ظالمة، كأن تتنازل عن حقوقها أو توقع على طلاق بالإبراء. وهكذا تصبح المرأة أسيرة وضعٍ قاسٍ، تُدفَع فيه دفعًا للتنازل عن حقها تحت وطأة الألم النفسي والاجتماعي.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذا السلوك بوضوح شديد، فقال تعالى:
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء: 129).
والمعلقة هي المرأة التي تُترَك بلا حقوق، فلا هي متزوجة تعيش حياة زوجية حقيقية، ولا هي مطلقة تملك حريتها. وهذا النص القرآني يكشف أن تعليق الزوجة ظلم صريح يخالف مقاصد الشريعة.
بل إن الله تعالى نهى عن استخدام الزواج أو الطلاق وسيلة للإضرار، فقال:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 231).
أي لا يحتفظ الرجل بزوجته بقصد إيذائها أو الضغط عليها. فإمساك الزوجة يجب أن يكون بمعروف، وإلا فالواجب التسريح بإحسان، كما قال سبحانه:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: 229).
ومن صور الظلم المنتشرة أن يضغط الزوج على زوجته حتى تطلب الطلاق، ثم يساومها على حقوقها المالية أو الشرعية. وقد تظن بعض النساء أن توقيعها على التنازل يسقط حقها، لكن الحقيقة أن التنازل الذي يتم تحت الإكراه والضغط النفسي ليس تنازلًا حقيقيًا نابعًا من الرضا، بل هو اضطرار للهروب من الظلم.
وفي ميزان العدل الإلهي لا يضيع حق مظلوم. فقد قال النبي ﷺ:
"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (رواه مسلم).
وقال أيضًا:
"لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة" (رواه مسلم).
فكل حق ضُيّع في الدنيا سيُعاد في الآخرة، وكل ظلم سيُقتص لصاحبه. والزوج الذي يظلم زوجته أو يأكل حقوقها لن ينجو من الحساب، بل سيُطالَب بها يوم القيامة من حسناته، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلومين فطُرحت عليه.
وقد حذر النبي ﷺ من الظلم حتى لو لم يكن هناك قاضٍ في الدنيا، فقال في الحديث القدسي:
"يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا" (رواه مسلم).
أما عقوبة الظالم في الدنيا، فقد أخبر النبي ﷺ أن الظلم سبب لزوال البركة وتعجيل العقوبة، فقال:
"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" (رواه الترمذي).
فالظلم لا يمر بلا أثر؛ قد يظهر في صورة ضيق في الحياة، أو اضطراب في الأسرة، أو فقدان السكينة والبركة.
إن تعليق الزوجة ليس مجرد مشكلة اجتماعية، بل هو اعتداء أخلاقي وديني يخالف روح الشريعة التي قامت على العدل والرحمة. والزواج الذي يتحول إلى أداة ضغط أو انتقام يفقد معناه الإنساني.
ولهذا وضع الإسلام قاعدة واضحة:
إما حياة كريمة قائمة على المعروف،
وإما فراق كريم بلا ظلم ولا إذلال.
أما إبقاء المرأة معلّقة لإجبارها على التنازل عن حقوقها، فليس رجولة، ولا عدلًا، ولا دينًا… بل ظلم سيقف صاحبه يومًا بين يدي الله ليُسأل عنه سؤالًا لا مهرب منه.
فالحقوق التي تُنتزع تحت القهر قد تضيع في أوراق المحاكم، لكنها لا تضيع في ميزان السماء.
وسيأتي يوم يقف فيه الظالم والمظلوم أمام العدل الإلهي، حيث لا نفوذ ولا تحايل… بل حقٌ يُرد، وعدلٌ يُقام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot