الأحد، 29 مارس 2026

من الطقس إلى الحكاية… حين بدأت الدراما تتحرر من المقدّس


بقلم السيناريست وليد عبدالنبي 

لم يكن انتقال الدراما من الطقس الديني إلى الحكاية الإنسانية حدثًا بسيطًا أو مفاجئًا، بل كان تحولًا عميقًا في وعي الإنسان ذاته.
فبعد أن نشأت الدراما داخل الإطار الطقسي، حيث كانت مرتبطة بالآلهة والأسطورة والشعائر الجماعية، بدأ الإنسان تدريجيًا يكتشف ذاته كموضوع مستقل للعرض، لا مجرد وسيط بين الأرض والسماء.
في هذه اللحظة، لم تعد الدراما مجرد إعادة تمثيل لأسطورة مقدسة، بل أصبحت وسيلة لفهم الإنسان… ضعفه، صراعاته، وأسئلته الوجودية.
تفكك البنية الطقسية
مع تطور المجتمعات، بدأ الطقس يفقد احتكاره للتعبير الجماعي. لم يعد الإنسان بحاجة إلى وسيط ديني ليعبر عن مخاوفه أو آماله، بل بدأ يخلق مساحات جديدة للسرد.
وهنا ظهرت أولى ملامح الدراما بوصفها حكاية:
شخصيات لها إرادة فردية
صراع نابع من الداخل لا من غضب الآلهة فقط
أحداث تتطور وفق منطق إنساني، لا طقسي ثابت
أصبح السؤال الدرامي لم يعد: ماذا تريد الآلهة؟
بل: ماذا يريد الإنسان؟ ولماذا يفشل في تحقيقه؟
ولادة البطل الإنساني
في هذه المرحلة، تحوّل مركز الدراما من "الإله" إلى "الإنسان".
لم يعد البطل كائنًا مقدسًا، بل صار شخصية تحمل التناقض:
قد يكون شجاعًا… لكنه ضعيف
حكيمًا… لكنه مخطئ
قويًا… لكنه عاجز أمام قدره
هذا التحول هو ما أسس لفكرة التراجيديا لاحقًا، حيث لا يكون الصراع بين الإنسان والآلهة فقط، بل بين الإنسان ونفسه.
الصراع كجوهر درامي
حين تحررت الدراما من الطقس، اكتشفت أهم عنصر فيها: الصراع.
لم يعد العرض مجرد تكرار شعائري، بل أصبح بناءً دراميًا يعتمد على:
بداية تمهّد للوضع
تصاعد يكشف التعقيد
ذروة تنفجر فيها الأزمة
حل (أو لا حل) يترك أثرًا فكريًا أو عاطفيًا
وهنا بدأت الدراما تقترب من شكلها الفني المعروف اليوم.
من الجماعة إلى الفرد
في الطقس، كان الأداء جماعيًا، والهوية واحدة.
أما في الدراما الجديدة، فقد ظهر الفرد:
له صوت خاص
له رغبة خاصة
وله مصير مختلف
هذا التحول من "نحن" إلى "أنا" هو أحد أهم الانقلابات في تاريخ الفن، لأنه نقل الدراما من التعبير عن الجماعة إلى التعبير عن الذات الإنسانية.
بداية الوعي بالمتلقي
مع خروج الدراما من الطقس، ظهر مفهوم جديد: المشاهد.
لم يعد الحضور مشاركًا في طقس ديني، بل أصبح متلقيًا:
يراقب
يحلل
يتعاطف
ويحكم
وهنا بدأت الدراما تكتسب بُعدها الجمالي، لا فقط الوظيفي.
خلاصة التحول
هذا الانتقال لم يكن مجرد تطور شكلي، بل كان تحولًا في وظيفة الدراما نفسها:
من الطقس → إلى الفن
من الأسطورة → إلى الحكاية
من المقدس → إلى الإنساني
من الجماعة → إلى الفرد
وبذلك وُلدت الدراما الحقيقية…
ليس كطقس يُمارَس، بل كفن يُفكَّر فيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot