بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
أنّ جزيرة صقلية الأوروبية كانت يوماً ما إمارة عربية، يحكمها آل بني كلب الذين صنعوا هناك حضارة غيّرت وجه الجزيرة..
قصة تبدأ بشموخ وفتوحات.. وتنتهي بحزن عميق كغروبٍ ينطفئ فوق البحر.
لم تكن صقلية تعرف أنّ البحر سيحمل إليها وجهاً جديداً للتاريخ حين وصل إليها جيش الأغالبة بقيادة أسد بن الفرات عام 827م، فبدأ المسلمون ينتزعون المدن واحدة تلو الأخرى حتى أصبحت باليرمو عاصمتهم عام 831م.
ومع اكتمال الفتح سنة 902م ازدهرت الجزيرة، ثم جاء الحسن بن علي الكلبي عام 948م ليثبت الحكم ويعيد الأمن تحت الراية الفاطمية، دخل باليرمو دون جيش كبير، لكنه دخلها بثقة ودهاء، وقف مع الناس ضد الفتن، وأمسك الحكم بحكمة، وأعاد الهدوء لجزيرة أنهكها الصراع.
ثم جاء بعده ابنه أحمد، ثم أبو القاسم علي بن الحسن، ذلك القائد الذي تجاوز حدود صقلية، ودخل جنوب إيطاليا، وهزم جيش الإمبراطور الألماني أوتو الثاني في معركة ستيلو سنة 982م، كانت تلك اللحظة ذروة مجد بني كلب، حيث أصبح اسمهم يرعب أوروبا.
تتابع بعدهم الأمراء: جابر بن أبي القاسم، ثم جعفر بن محمد، ثم عبد الله، حتى جاء الأمير الكريم يوسف بن عبد الله (ثقة الدولة) الذي عاشت صقلية في عهده أجمل أيامها، ازدحمت الأسواق، وانتعشت المزارع، وأقبل العلماء إلى باليرمو التي أصبحت إحدى أعظم مدن المتوسط.
لكنّ المرض الذي أصاب الأمير يوسف كان بداية النهاية؛ فقد أدّى تنازله لابنه جعفر إلى انفلات الأمور، واشتعال الفتن، وعندما تولّى الحسن صمصام الدولة، كانت الجزيرة قد دخلت مرحلة الضعف الشديد، ولم يستطع أن يوقف الانهيار، ومع موته سنة 1053م سقط آخر أعمدة الدولة الكلبية التي حكمت صقلية أكثر من قرن.
في سنة 1061م، عبر القائد النورماندي روجر الأول البحر بجيشه نحو صقلية، فتقدّم مدينة بعد أخرى، مستغلاً خلافات المسلمين، حتى دخل باليرمو عام 1072م، وبدأت المأساة الكبرى.
أُحرقت القرى، وهُجّر آلاف المسلمين، وتحوّلت المساجد إلى كنائس، وتراجع الوجود العربي شيئاً فشيئاً، ومع سقوط الجزيرة، فقد المسلمون قاعدة بحرية كانت من أقوى قواعد المتوسط، وانهارت حضارة ازدهرت ثلاثة قرون.
وهكذا رحلت دولة بني كلب، لا بسبب قوة النورمان وحدها، بل لأنّ الفتن الداخلية أنهكت الجزيرة قبل وصول العدو، حتى صار السقوط أشبه بباب كان ينتظر من يفتحه.
المصادر:
• النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ابن تغري بردي
• تاريخ المسلمين في صقلية - محمد عبد الله عنان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق