الثلاثاء، 24 مارس 2026

نبضات مُزيفة خلف زجاج الميكروباص

تعطلت سيارتي فجأة في منتصف الطريق، وقفتُ حائرة أمام غطاء المحرك المرفوع كأنني أقرأ طلاسم لا أفهمها. جاء صوت أخي عبر الهاتف حازماً ومنقذاً: "اتركيها مكانها، سأرسل من يسحبها استقلي أول وسيلة مواصلات وعودي للمنزل فوراً
لم يكن أمامي سوى ميكروباص" متهالك، صعدتُ إليه باحثةً عن مقعد ينهي تعب يومي، ولم أكن أعلم أنني سأشهد عرضاً مسرحياً "هزيلاً" عن الخيانة والادعاء.
المشهد الأول:
بجانبي، كانت تجلس امرأة يبدو على وجهها الإرهاق، وبجوارها رجلٌ غريب يفيض بوعودٍ معسولة. من حديثهما المتصاعد، فهمتُ أنهما التقيا للتو في مصلحة حكومية؛ كانت تحاول تخليص أوراقٍ رسمية لتتمكن من صرف راتب زوجها المغترب في إحدى الدول العربية.
كان الرجل يرتدي قناع "البطل المنقذ"، يربتُ على كتفها بين الحين والآخر بلمسات بدت لي لزجة ومريبة، وهو يهمس: "لا تقلقي، سأنهي لكِ كل الإجراءات في أسرع وقت.. اعتبري الأمر منتهياً". كانت هي، في لحظة ضعف واحتياج، تسرد له معاناتها مع الوحدة وحمل المسؤولية الثقيل منذ سافر زوجها بحثاً عن لقمة العيش.
المشهد الثاني: لسانان في فمٍ واحد
فجأة، رنّ هاتف الرجل. في ثانية واحدة، تحولت نبرة صوته إلى "زوجٍ مخلصٍ ومحب".
"أهلاً يا حبيبتي.. كيف حالكِ وحال الأولاد؟ ما زلتِ عند والدتك؟ ستبقين أسبوعاً آخر؟ يا الله.. لقد اشتقت إليكم كثيراً، البيت مظلم بدونكم.. انتبهي لنفسك وللأطفال سلام
أغلق الهاتف، وبكل برود، استدار نحو المرأة الجالسة بجانبه، وكأن مكالمته السابقة لم تكن سوى فاصل إعلاني! أعاد يده إلى كتفها، وضمها برفقٍ غادر وهو يقول: "نلتقي في المساء لنحتسي القهوة معاً.. وأعدكِ، لن نفعل شيئاً رغماً عنكِ
العبرة من القصة
تتجلى في هذه الموقف حقيقة صادمة عن النفس البشرية، 
  الذئاب ترتدي ثياب المساعدة: ليس كل من عرض عليكِ "تسهيل الصعاب" هو فاعل خير، فالبعض يستغل حاجة الناس وضعفهم ليرسم شباكه حولهم.
  الخيانة قرار وليست هفوة: هذا الرجل لم يكن "ناقص حب" في بيته، بل كان "ناقص مروءة"؛ فبينما كان يغزل لزوجته كلمات الشوق، كان يغزل لغيرها شباك الرذيلة.
  الثمن الغالي للثقة: المسافة بين "الشكوى لغريب" و"الوقوع في المحظور" شعرة رفيعة جداً، والحاجة لا تبرر أبداً فتح الباب لمن يقتاتون على جراح الآخرين.
إن الذي يخون عهداً مع غائب لا يمكن أن يكون أميناً مع حاضر؛ فالمبادئ لا تتجزأ
االكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot