هذا الموضوع ليس مجرد سرد لذكريات، بل هو وثيقة اجتماعية تجسد "عبقرية المكان والزمان" في مصر، حيث تذوب الفوارق العقدية في بوتقة الإنسانية.
نسيج الروح: حينما تحكي الأيام قصة "الوطن الواحد"
لا يدرك قيمة النسيج المصري إلا من عاش تفاصيله، ومن لامس بدفء قلبه تلك الروابط التي لا تقبل القسمة على اثنين. حين استمعت إلى "ريمون" وهو يدافع عن حقه في مشاركة أصدقائه المسلمين مائدة السحور، شعرت بوجع النبل في صوته وهو يقول: "اتركوا فطرتنا وشأنها.. لقد كبرنا معاً كأهل".
هذه الكلمات أيقظت في داخلي شريطاً من النور، يمتد من يوم ولادتي حين كان "أهلنا" من المسيحيين هم من جهزوا مستلزمات "سبوعي"، وحفروا اسمي وتاريخ ميلادي على حبات البلح، كأنهم يسطرون ميثاق محبة أبدي في كيس احتفظت به أمي ليكون شاهداً على أننا "عائلة واحدة" قبل أن نكون جيراناً.
محطات الصدق: من مقاعد الدراسة إلى أزمات الحياة
لم يكن "عادل" مجرد زميل تختة في المدرسة الابتدائية، بل كان السند الذي يهمس لي بالإجابة حين أتعثر، وكنت له العون حين يصعب عليه السؤال. لم نسأل يوماً عن ديانة "القلم" الذي نكتب به، بل كنا نكتب مستقبلاً مشتركاً.
وفي رحاب العائلة، تبرز قصة شادية" (مريم) وأخوتها كأجمل تجليات التسامح والحرية. حين اختارت شادية الإسلام حباً في حسن خلق زوجها، بقيت والدتها على دينها تعانق أبناءها بمحبة لم تزدها الأيام إلا رسوخاً. وفي جلسات السمر، حين يداعبها أبناؤها لدخول الإسلام، ترد بحكمة القلوب الصافية: "إن كنتم على حق فاشفعوا لي، وإن كنت على حق سأشفع لكم". هكذا يكون الإيمان: ملاذاً لا حاجزاً.
جوهر الشدائد والمعادن الأصيلة
في أشد أزمات حياتي، لم يسألني "مدحت" عن قبلتي، بل وقف بجانبي وقفة الأخ الجسور، حماني بقلبه وما زال يشاركني أفراحي وأتراحي. وحتى "يوسف" الجواهرجي، لم يكن يبيع لنا الذهب، بل كان يقدم لنا "جواهر" من الأمانة والصداقة التي لا تصدأ. وكثير من الاصدقاء علي الفيس بوك كلماتهم وتهانيهم ودعواتهم بالخير دائما وجودهم هو الصداقه الحقيقيه التي تنير الطريق
رؤية من نور: ما قاله الدين عن "الآخر
لقد جاءت الأديان لتبني لا لتهدم، ولتجمع لا لتفرق:
من القرآن الكريم: يقول الله تعالى:﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].فالبر والقسط (العدل والمحبة) هما أساس علاقتنا مع شركاء الوطن.
من السنة النبوية: أكد الرسول ﷺ على حرمة الجار وحقوق أهل الذمة، فقال:
ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة" (رواه أبو داود)
خاتمة
رمضان في مصر ليس مجرد شهر للصوم، بل هو موسم "تلاحم الأرواح"، حيث يختلط عطر الإفطار بضحكات الجيران، ويصبح السحور مائدة تجمع ريمون ومحمد في صلاة صامتة من أجل هذا الوطن.
حسبنا الله ونعم الوكيل في كل يد خفية تحاول تمزيق هذا النسيج الطاهر، أو العبث بفطرة المصريين الأصيلة. نحن لسنا مسلمين ومسيحيين فحسب.. نحن "الأهل"، و"الشركاء"، و"الدم الواحد" الذي يجري في عروق هذه الأرض.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق