بقلم : ماهر حسن مفتاح
كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي
التصعيد في السياسة يشبه الصعود إلى شجرة عالية في لحظة حماس جماعي الصعود سهل والهواء في الأعلى يعطي شعورًا بالقوة لكن المشكلة تبدأ عندما يكتشف الجميع أن النزول أصعب بكثير مما تصوروا هذا ما يحدث الآن في المشهد العالمي كل طرف رفع سقف التوقعات أمام شعبه وكل طرف صعد درجة أعلى على الشجرة إسرائيل تحدثت عن مواجهة قد تغير موازين القوة وإيران ردت بلغة تؤكد أنها لن تقبل الإهانة أو التراجع والولايات المتحدة لوحت بإمكانية تغيير النظام أو على الأقل كسر نفوذه في المنطقة ومع كل خطوة من هذا التصعيد كان الجمهور يسمع كلمات أكبر ووعودًا أعلى حتى أصبح الرجوع خطوة مكلفة سياسيًا أكثر من التقدم
في هذه اللحظة بالضبط تبدأ الأسواق في الكلام النفط تجاوز 106 دولارات للبرميل وهذا ليس مجرد رقم في شاشة التداول بل رسالة من الاقتصاد العالمي عندما يرتفع النفط بهذا الشكل فالسوق لا تسعر فقط العرض والطلب بل تسعر الخوف وتسعر احتمال اتساع الصراع وتسعر اضطراب طرق الطاقة وسلاسل الإمداد ولذلك يرى كثير من المحللين أن النفط قد يندفع إلى مستويات قياسية إذا استمر التصعيد لأن الطاقة هي الشريان الذي يتحرك عبره الاقتصاد العالمي كله
لكن السؤال الحقيقي ليس من صعد إلى الشجرة بل من يقف تحتها معظم دول العالم ليست طرفًا في هذا الصراع لم تطلق التهديدات ولم ترفع سقف الوعود ومع ذلك هي التي ستقف في مواجهة الرياح الاقتصادية ارتفاع الطاقة يعني ارتفاع النقل وارتفاع النقل يعني تضخمًا في الغذاء والسلع ومع كل موجة من هذه الموجات تدفع اقتصادات بعيدة تمامًا عن ساحة الصراع ثمنًا لم تكن طرفًا فيه
التاريخ يعلمنا أن تكلفة الصعود غالبًا رمزية كلمات وخطابات وتصريحات أما النزول فهو أكثر تعقيدًا لأنه يحتاج تنازلات وقرارات صعبة وأحيانًا تراجعًا أمام جماهير تم تعبئتها نفسيًا لذلك تصبح اللحظة الأخطر في الأزمات الدولية ليست لحظة التصعيد بل لحظة البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه لكل الأطراف
لهذا فإن النفط عند أكثر من 106 دولارات ليس مجرد خبر في سوق الطاقة بل إشارة إلى أن النظام العالمي بدأ يشعر بفقدان التوازن وعندما تتحرك الأسواق بهذه الطريقة فهي تقول شيئًا بسيطًا إذا صعد الجميع إلى الشجرة في الوقت نفسه فإن السؤال لم يعد من بدأ التصعيد بل كيف يمكن للجميع أن يجد طريقًا للنزول قبل أن تتحول الأغصان إلى عاصفة يشعر بها العالم كله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق